فهذه أمثلة توضح لك الوجه العملى في المصالح المرسلة، وتبين لك اعتبار أمور:
(أحدها) : الملاءمة لمقاصد الشرع، بحيث لا تنافى أصلًا من أصوله، ولا دليلًا من دلائله.
(والثانى) : أن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل معناه وجرى على ذوق المناسبات المعقولة التى إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل لها في التعبدات، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية، لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل، كالوضوء والصلاة، والصيام في زمان مخصوص دون غيره، والحج .. ونحو ذلك.
(والثالث) : أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضرورى ورفع حرج لازم في الدين، وأيضًا، مرجعها إلى حفظ الضرورى من باب ما لم يتم الواجب إلا به ... فهى إذًا من الوسائل لا من المقاصد، ورجوعها إلى رفع الحرج راجع إلى باب التخفيف لا إلى التشديد.
إذا تقررت هذه الشروط، علم أن البدع كالمضادة للمصالح المرسلة: لأن موضوع المصالح المرسلة ما عُقل معناه على التفصيل، والتعبدات من حقيقتها أن لا يعقل معناها على التفصيل.
وقد مر أن العادات إذا دخل فيها الابتداع، فإنما يدخلها من جهة ما فيها من التعبد لا بإطلاق.
وأيضًا، فإن البدع في عامة أمرها لا تلائم مقاصد الشرع، بل إنما تتصور على أحد وجهين:
إما مناقضة لمقصوده، كما تقدم في مسألة المفتى للملك بصيام شهرين متتابعين [1] .
(1) ... ذكر الشاطبي في الاعتصام:
ومثال ما حكى الغزالي عن بعض أكابر العلماء أنه دخل على بعض السلاطين فسأله عن الوقاع في نهار رمضان، فقال: عليك صيام شهرين متتابعين. فلما خرج راجعه بعض الفقهاء وقالوا له: القادر على إعتاق الرقبة كيف يعدل له إلى الصوم والصوم وظيفة المعسرين، وهذا الملك يملك عبيدًا غير محصورين؟ فقال لهم: لو قلت له عليك إعتاق رقبة لا ستحقر ذلك وأعتق عبيدًا مرارًا، فلا يزجره إعتاق الرقبة ويزجره صوم شهرين متتابعين. فهذا المعنى مناسب، لأن الكفارة مقصود الشرع منها الزجر، والملك لا يزجره الإعتاق ويزجره الصيام. وهذه الفتيا باطلة لأن العلماء بين قائلين: قائل بالتخيير، وقائل بالترتيب، فيقدم العتق على الصيام، فتقديم الصيام بالنسبة إلى الغني لا قائل به، على أنه قد جاء عن مالك شيء يشبه هذا، لكنه على صريح الفقه.
قال يحيى بن بكير: حنث الرشيد في يمين فجمع العلماء فأجمعوا أن عليه عتق رقبة، فسأل مالكًا فقال: صيام ثلاثة أيام. واتبعه على ذلك إسحاق بن إبراهيم من فقهاء قرطبة.
حكى ابن بشكوال: أن الحكم أمير المؤمنين أرسل في الفقهاء وشاورهم في مسألة نزلت به، فذكر لهم عن نفسه أنه عمد إلى إحدى كرائمه ووطئها في رمضان، فأفتوا بالإطعام، و إسحاق بن إبراهيم ساكت، فقال له أمير المؤمنين: ما يقول الشيخ في فتوى أصحابه؟ فقال له: لا أقول بقولهم، وأقول بالصيام. فقيل له: أليس مذهب مالك الإطعام؟ فقال لهم: تحفظون مذهب مالك، إلا أنكم تريدون مصانعة أمير المؤمنين، إنما أمر بالإطعام لمن له مال، وأمير المؤمنين لا مال له، إنما هو مال بيت المسلمين، فأخذ بقوله أمير المؤمنين وشكر له عليه. أهـ. وهذا صحيح.
نعم حكى ابن بشكوال أنه اتفق لعبد الرحمن بن الحكم مثل هذا في رمضان، فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته، فقال يحيى بن يحيى: يكفِّر ذلك صيام شهرين متتابعين، فلما برز ذلك من يحيى سكت سائر الفقهاء حتى خرجوا من عنده، فقالوا ليحيى: ما لك لم تفته بمذهبنا عن مالك من أنه مخير بين العتق والطعام والصيام؟ فقال لهم: لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور لئلا يعود.
فإن صح هذا عن يحيى بن يحيى رحمه الله، وكان كلامه على ظاهره، كان مخالفًا للإجماع.