فتصير المكوس -على هذا الفرض- لها نظران: نظر من جهة كونها محرمة على الفاعل أن يفعلها كسائر أنواع الظلم، ونظر من جهة كونها اختراعًا لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت كما يؤخذون بسائر التكاليف، فاجتمع فيها نهيان: نهى عن المعصية ونهى عن البدعة.
وكذلك تقديم الجُهَّال على العلماء، وتولية المناصب الشرعية من لا يصلح بطريق التوريث، هو من قبيل ما تقدم، فإن جعل الجاهل في موضع العالم، حتى يصير مفتيًا في الدين، ومعمولًا بقوله في الأموال والدماء والأبضاع وغيرها، محرم في الدين، وكون ذلك يتخذ ديدنًا، حتى يصير الابن مستحقًا لرتبة الأب -وإن لم يبلغ رتبة الأب في ذلك المنصب- بطريق الوراثة أو غير ذلك، بحيث يشيع هذا العمل ويطرد ويرده الناس، كالشرع الذى لا يخالف، بدعة بلا إشكال، زيادة إلى القول بالرأى غير الجارى على العلم، وهو بدعة، أو سبب البدعة، كما سيأتى تفسيره إن شاء الله، وهو الذى بينه النبى - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (حتى إذا لم يبق عالم، أتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) [1] ، وإنما ضلوا لأنهم أفتوا بالرأى، إذ ليس عندهم علم.
وأما إقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمر على خلاف ما كان عليه السلف، فقد تقدم أن البدعة لا تتصور هنا، وذلك صحيح.
(1) ... رواه من حديث عبد الله بن عمرو البخاري (100) ومسلم (2673) والترمذي (2652) والنسائي في الكبرى (5907) وابن ماجة (52) والدارمي (1/77) والبيهقي (10/116) وابن أبي شيبة (7/505) .