الصفحة 315 من 471

وعليه نبنى الكلام، فنقول: ثبت في الأصول الشرعية أنه لابدَّ في كل عادىَّ من شائبة التعبُّد، لأن ما لم يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهى عنه، فهو المراد بالتعبُّدى، وما عقل معنها وعرفت مصلحته أو مفسدته على التفصيل، فهو المراد بالعادى، فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبُّدى، والبيع والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات كلها عادى، لأن أحكامها معقولة المعنى، ومع أنها معقولة المعنى، لابد فيها من التعبد، إذ هى مقيدة بأمور شرعية لا خِيَرة للمكلًّف فيها.

وإذا كان كذلك، فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد، فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من ذلك الوجه، صح دخوله في العاديات كالعباديات، وإلا فلا.

وهذه هى النكتة التى يدور عليها حكم الباب، ويتبيَّن ذلك بالأمثلة:

فمما أتى به القرافى وضع المكوس في معاملات الناس، فلا يخلو هذا الوضع المحرم أن يكون على قصد حجر التصرفات وقتًا ما، أو في حالة ما، لنيل حطام الدنيا، على هيئة غصب الغاصب، وسرقة السارق، وقطع القاطع للطريق ... وما أشبه ذلك، أو يكون على قصد وضعه على الناس، كالدِّين الموضوع، والأمر المحتوم عليهم دائمًا، أو في أوقات محدودة، وعلى كيفيات مضروبة، بحيث تضاهى التشريع الدائم الذى يُحمَل عليه العامة، ويؤخذون به، وتوجه على الممتنع منه العقوبة، كما في أخذ زكاة المواشى والحرث وما اشبه ذلك.

فأما الثانى، فظاهر أنه بدعة، إذ هو تشريع زائد، وإلزام للمكلفين يضاهى إلزامهم الزكاة المفروضة والديات المضروبة والغرامات المحكوم بها في أموال الغصاب المعتدين، بل صار في حقهم كالعبادات المفروضة واللوازم المحتومة ... أو ما أشبه ذلك، فمن هذه الجهة يصير بدعة بلا شك، لأنه شرع مستدرك، وسنن في التكليف مهيع [1] .

(1) ... مَهْيَعٌ: واضحٌ أو بينٌ أو واسع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت