وأما وجهة النظر في أمثلة الوجه الثالث من أوجه دخول الابتداع في العادات على ما أريد تحقيقه، فنقول: إن مدارك تلك الأحاديث على بضع عشرة خصلة يمكن ردها إلى أصول -هى كلها أو غالبها بدع-، وهى: قلة العلم، وظهور الجهل، والشح، وقبض الأمانة، وتحليل الدماء، والزنا، والحرير، والغناء، والربا، والخمر، وكون المغنم دولًا، والزكاة مغرمًا، وارتفاع الأصوات في المساجد، وتقديم الأحداث، ولعن آخر الأمة أولها، وخروج الدجالين، ومفارقة الجماعة.
أما قلة العلم وظهور الجهل: ذلك أن الناس لابد لهم من قائد يقودهم فلابد أن يحملهم على رأيه في الدين، لأن الفرض أنه جاهل، فيضلهم عن الصراط المستقيم، كما أنه ضال عنه، وهذا عين الابتداع، لأنه التشريع بغير أصل من كتاب ولا سنة.
وأما الشح، فإنه مقدمة لبدعة الاحتيال على تحليل الحرام، وذلك أن الناس يشحون بأموالهم حتى صار الموسر لا يسمح بما في يديه فيضطر المعسر إلى أن يدخل في المعاملات التى ظاهرها الجواز وباطنها المنع، كالربا والسلف الذى يجر النفع. فإذا كان كذلك، فالحرىُّ أن يصير ذلك ابتداع في الدين، وأن يجعل من أشراط الساعة.
فإن قيل: هذا انتجاع من مكان بعيد، وتكلف لا دليل عليه.