ولا يتحقَّق دخول هذا الضرب من البدع تحت الوعيد بالنار، وإن دخلت تحت الوصف بالضلال، كما لا يتحقّق ذلك في سرقة لقمة، أو التطفيف بحبة، وإن كان داخلًا تحت وصف السرقة، بل المتحقق دخول عظائمها وكلياتها، كالنصاب في السرقة، فعلى هذا، إذا اجتمع في البدعة وصفان: كونها جزئية، وكونها بالتأويل، صح أن تكون صغيرة، والله أعلم.
ومثاله: مسألة من نذر أن يصوم قائمًا لا يجلس وضاحيًا لا يستظل، ومن حرم على نفسه شيئًا مما أحلَّ الله من النوم أو لذيذ الطعام أو النساء أو الأكل بالنهار ... وما أشبه ذلك مما تقدَّم ذكره ويأتى.
غير أن الكلية والجزئية قد تكون ظاهرة وقد تكون خفية، كما أن التأويل قد يقرب مأخذه وقد يبعد، فيقع الإشكال في كثير من أمثلة هذا الفصل، فيعد كبيرة ما هو من الصغائر، وبالعكس، فيوكل النظر فيه إلى الاجتهاد.
وإذا قلنا: إن من البدع ما يكون صغيرة، فذلك بشروط:
(أحدها) : أن لا يداوم عليها، فإن الصغيرة من المعاصى لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه، لأن ذلك ناشئ على الإصرار عليها، والإصرار على الصغيرة يصيَّرها كبيرة، ولذلك قالوا: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار [1] ،
(1) ... رواه البيهقي في شعب الإيمان موقوفًا من حديث ابن عباس (7268) . وضعفه الألباني في الجامع (6308) وفي الضعيفة (4810) .
وجاء في كشف الخفاء للعلجوني: رواه أبو الشيخ والديلمي عن ابن عباس رفعه وكذا العسكري عنه في الأمثال بسند ضعيف، لا سيما ورواه ابن المنذر في تفسيره عن ابن عباس من قوله، والبيهقي عن ابن عباس موقوفًا، وله شاهد عند البغوي، ومن جهة الديلمي عن أنس مرفوعا،ورواه إسحاق بن بشر في المبتدأ عن عائشة لكن حديثه منكر، وأخرجه الطبراني عن أبي هريرة. وزاد في آخره فطوبى لمن وجد في كتابه استغفارا كثيرا، لكن في إسناده بشر بن عبيد الفارسي متروك، ورواه الثعلبي وابن شاهين في الترغيب عن أبي هريرة.
قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء رحمهم الله: والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، وروى عن عمر وابن عباس وغيرهما رضى الله عنهم: لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار، معناه: أن الكبيرة تمحى بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار. قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في حد الإصرار: هو أن تتكرر منه الصغيرة تكرارًا يشعر بقلة مبالاته بدينه، إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك، قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: المصر من تلبس من أضداد التوبة باسم العزم على المعاودة أو باستدامة الفعل، بحيث يدخل به ذنبه في حيز ما يطلق عليه الوصف بصيرورته كبيرًا عظيمًا، وليس لزمان ذلك وعدده حصر، والله أعلم.