فليتأمل هذا الموضع أشد التأمل، ويعط من الإنصاف حقه، ولا ينظر إلى خفة الأمر في ا لبدعة بالنسبة إلى صورتها وإن دقت، بل ينظر إلى مصادمتها للشريعة، ورميها لها بالنقص والاستدراك، وأنها لم تكمل بعد حتى يوضع فيها، بخلاف سائر المعاصى، فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها، بل صاحب المعصية متنصَّل منها، مقرَُ لله بمخالفته لحكمها.
وحاصل المعصية أنها مخالفة في فعل المكلف لما يعتقد صحته من الشريعة، والبدعة حاصلها مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة، فإذًا يصح أن يكون في البدع ما هو صغيرة.
فالجواب: أن ذلك يصح بطريقة يظهر إن شاء الله أنها تحقيق في تشقيق هذه المسألة:
وذلك أن صاحب البدعة يتصور أن يكون عالمًا بكونها بدعة، وأن يكون غير عالم بذلك.
وغير العالم بكونها بدعة على ضربين، وهما: المجتهد في استنباطها وتشريعها، والمقلد له فيها.
وعلى كل تقدير، فالتأويل يصاحبه فيها ولا يفارقه كقوله: هى بدعة، ولكنها مستحسنة، أو يقول: إنها بدعة، ولكنى رأيت فلانًا الفاضل يعمل بها.
وإذا كان كذلك، فقول مالك: من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - خان الرسالة، إنما (هو) إلزام للخصم على عادة أهل النظر، كأنه يقول: يلزمك في هذا القول كذا، لأنه يقول: قصدت إليه قصدًا، لأنه لا يقصد إلى ذلك مسلم [1] .
ولازم المذهب: هل هو مذهب أم لا، رأى المحققين: أن لازم المذهب ليس بمذهب.
ثم إن البدع على ضربين: كلية وجزئية:
فأما الكلية، فهى السائرة فيما لا ينحصر من فروع الشريعة، ومثالها بدع الفرق الثلاث والسبعين، فإنها مختصة بالكليات منها دون الجزئيات وأما الجزئية، فهى الواقعة في الفروع الجزئية.
(1) ... انظر كتاب الموافقات في الحكم على المبتدع.