الصفحة 308 من 471

وأما الثالث، فلا حجة فيه، لأن قوله عليه السلام: (كل بدعة ضلالة) ، وما تقدم من كلام السلف، يدل على عموم الذم فيها.

وظهر أنها مع المعاصى لا تنقسم ذلك الانقسام، بل إنما ينقسم ما سواها من المعاصى، واعتبر بما تقدَّم ذكره في الباب الثانى؛ يتبَّين لك عدم الفرق فيها.

وأقرب منها عبارة تناسب هذا التقرير أن يقال: كل بدعة كبيرة عظيمة بالإضافة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع، إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه، فإذا نسب بعضها إلى بعض، تفاوتت رتبتها، فيكون منها صغار وكبار، إما باعتبار أن بعضها أشد عقابًا من بعض، فالأشد عقابًا أكبر مما دونه، وإما باعتبار فوت المطلوب في المفسدة، فكما انقسمت الطاعة باتباع السنة إلى الفاضل والأفضل لانقسام مصالحها إلى الكامل والأكمل، انقسمت البدع لانقسام مفاسدها إلى الرذل والأرذل، والصغر والكبر، من باب النسب والإضافات، فقد يكون الشىء كبيرًا في نفسه، لكنه صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه.

وهذه العبارة قد سبق إليها إمام الحرمين، لكن في انقسام المعاصى إلى الكبائر والصغائر، فقال: المرضِى عندنا أن كل ذنب كبيرة وعظيم بالإضافة إلى مخالفة الله، ولذلك يقال: معصية الله أكبر من معصية العباد قولًا مطلقًا، إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه، فإذا نسب بعضها إلى بعض، تفاوتت رتبها. ثم ذكر معنى ما تقدَّم.

ولم يوافقه غيره على ما قاله، وإن كان له وجه في النظر، وقعت الإشارة إليه في كتاب"الموافقات".

ولكن الظاهر يأبى ذلك -حسبما ذكره غيره من العلماء-، والظواهر في البدع لا تأبى كلام الإمام إذا نزل عليها -حسبما تقدَّم-، فصار اعتقاد الصغائر فيها يكاد يكون من المتشابهات، كما صار اعتقاد نفى كراهية التنزيه عنها من الواضحات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت