الصفحة 304 من 471

وأما ثالثًا: فإنا إذا تأملنا حقيقة البدعة -دقت أو جلت-، وجدناها مخالفة للمكروه من المنهيات المخالفة التامة، وبيان ذلك من أوجه:

أحدها: أن مرتكب المكروه إنما قصده نيل غرضه وشهوته العاجلة، متكلا على العفو اللازم فيه، ورفع الحرج الثابت في الشريعة، فهو إلى الطمع في رحمة الله أقرب.

وأيضًا، فليس عقده الإيمانى بمتزحزح، لأنه يعتقد المكروه مكروهًا كما يعتقد الحرام حرامًا، وإن ارتكبه، فهو يخاف الله ويرجوه، والخوف والرجاء شعبتان من شعب الإيمان.

فكذلك مرتكب المكروه يرى أن الترك أولى في حقه من الفعل، وأن نفسه الأمارة زينت له الدخول فيه، ويود لو لم يفعل.

وأيضًا، فلا يزال -إذا تذكر- منكسر القلب، طامعًا في الإقلاع، سواء عليه أخذ في أسباب الإقلاع أم لا.

ومرتكب أدنى البدع يكاد يكون على ضد هذه الأحوال، فإنه يعد ما دخل فيه حسنًا، بل يراه أولى مما حد له الشارع، فأين مع هذا خوفه أو رجاؤه وهو يزعم أن طريقه أهدى سبيلًا، ونحلته أولى بالاتباع.

والحاصل أن النسبة بين المكروه من الأعمال وبين أدنى البدع بعيد الملتمس.

[هل في البدع صغائر وكبائر]

إذا ثبت هذا، انتقلنا منه إلى معنى آخر، وهو أن المحرم ينقسم في الشرع إلى ما هو صغيرة وإلى ما هو كبيرة، حسبما تبين في علم الأصول الدينية، فكذلك يُقال في البدع المحرمة: إنها تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة، اعتبارًا بتفاوت درجاتها -كما تقدم- وهذا على القول بأن المعاصى تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة.

ولقد اختلفوا في الفرق بينهما على أوجه، وجميع ما قالوه لعله لا يوفى بذلك المقصود على الكمال، فلنترك التفريع عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت