وهذا الضرب إنما كان لسؤاله عن أمور من القرآن لا ينبنى عليها عمل، وربما نقل عنه أنه كان يسأل عن { السابحات سبحًا } [1] ، و { المرسلات عرفًا } [2] ... وأشباه ذلك، والضرب إنما يكون لجناية أربت على كراهية التنزيه، إذ لا يستباح دم امرئ مسلم ولا عرضه بمكروه كراهية تنزيه، ووجه ضربه إياه خوف الابتداع في الدين أن يشتغل منه بما لا ينبنى عليه عمل، وأن يكون ذلك ذريعة، لئلا يُبحث عن المتشابهات القرآنية.
والشواهد في هذا المعنى كثيرة، وهى تدل على أن الهين عند الناس من البدع شديد وليس بهين، { وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم } [3] .
وأما كلام العلماء، فإنهم -وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهى عنها- لا يعنون بها كراهية التنزيه فقط، وإنما هذا اصطلاح للمتأخرين حين أرادوا أن يفرقوا بين القبيلين، فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط، ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم والمنع، وأشباه ذلك.
وأما المتقدمون من السلف، فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نصَّ فيه صريحًا أن يقولوا: هذا حلال، وهذا حرام، ويتحامون هذه العبارة، خوفًا مما في الآية من قوله: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب } [4] ، وحكى مالك عمن تقدمه هذا المعنى، فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها: أكره هذا، ولا أحب هذا، وهذا مكروه ... وما أشبه ذلك، فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط، فإنه إذا دلَّ الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة، فمن أين يعدُّ فيها ما هو مكروه كراهية التنزيه؟! اللهم إلا أن يطلقوا لفظ الكراهية على ما يكون له أصل في الشرع، ولكن يعارضه أمر آخر معتبر في الشرع، فيكره لأجله، لا لأنه بدعة مكروهة، على تفصيل يذكر في موضعه.
(1) ... النازعات: 3.
(2) ... المرسلات: 1.
(3) ... النازعات: 3.
(4) ... النحل: 116.