الصفحة 302 من 471

قال مالك: أمره أن يتم ما كان لله عليه فيه طاعة، ويترك ما كان عليه فيه معصية. وقد مر ما روى الزبير بن بكار، واتاه رجل، فقال: يا ابا عبد الله! من أين أحرم؟ قال: من ذى الحليفة، من حيث أحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال: إنى أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل. قال: إنى أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل، فإنى أخشى عليك الفتنة. قال وأى فتنة في هذا؟ إنما هى أميال أزيدها! قال: وأى فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ إنى سمعت الله تعالى يقول: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [1] .

فأنت ترى أنه خشى عليه الفتنة في الإحرام من موضع فاضل لا بقعة أشرف منه، وهو مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وموضع قبره، لكنه أبعد من الميقات، فهو زيادة في التعبد قصدًا لرضى الله ورسوله، فبين أن ما استسهله من ذلك الأمر اليسير في بادى الرأى يخاف على صاحبه الفتنة في الدنيا والعذاب في الآخرة، واستدل بالآية.

فكل ما كان مثل ذلك، داخل -عند مالك- في معنى الآية، فأين كراهية التنزيه في هذه الأمور التى يظهر بأول النظر أنها سهلة ويسيرة؟!

وقصة صُبيغ العراقى ظاهرة في هذا المعنى، فحكى ابن وهب، قال: حدثنا مالك بن أنس، قال: جعل صبيغ يطوف بكتاب الله معه، ويقول: من يتفقه يفقهه الله، من يتعلم يعلمه الله، فأخذه عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فضربه بالجريد الرطب، ثم سجنه، حتى إذا خف الذى به، أخرجه، فضربه، فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد قتلى، فأجهز على، وإلا، فقد شفيتنى شفاك الله، فخلاه عمر [2] .

(1) ... النور: 63.

(2) ... تقدمت قصته ص125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت