الصفحة 301 من 471

وإذا ثبت هذا، وجدنا بين الطاعة والمعصية واسطة لا يصح أن ينسب إليها المكروه من البدع، وقد قال الله تعالى: { فماذا بعد الحق إلا الضلال } [1] ، فليس إلا الحق وهو هدى، والضلال وهو باطل، فالبدع المكروهة ضلال.

وأما ثانيًا: فإن إثبات قسم الكراهة في البدع على الحقيقة مما ينظر فيه، فلا يغتر المغتر بإطلاق المتقدمين من الفقهاء لفظ المكروه على بعض البدع، وإنما حقيقة المسألة أن البدع ليست على رتبة واحدة في الذم، كما تقدم بيانه، وأما تعيين الكراهة التى معناها نفى إثم فاعلها وارتفاع الحرج البتة، فهذا مما لا يكاد يوجد عليه دليل من الشرع، ولامن كلام الأئمة على الخصوص.

أما الشرع، ففيه ما يدل على خلاف ذلك، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد على من قال: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أنكح النساء ... إلى آخر ما قالوا، فرد عليهم ذلك عليه السلام، وقال: (من رغب عن سنتى، فليس منى) [2] .

وهذه العبارة أشد شىء في الإنكار، ولم يكن ما التزموا إلا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر.

وكذلك ما في الحديث: أنه عليه السلام رأى رجلًا قائمًا في الشمس، فقال: (ما بال هذا؟) . قالوا: نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (مره، فليجلس وليتكلم، وليستظل وليتم صومه) [3] .

(1) ... يونس: 32.

(2) ... تقدم تخريجه ص51، 254.

(3) ... تقدم تخريجه ص293.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت