الصفحة 300 من 471

فالمرتكب للمكروه لا يصح أن يُقال فيه مخالف ولا عاص، مع أن الطاعة ضدها المعصية، وفاعل المندوب مطيع، لأنه فاعل ما أُمر به، فإذا اعتبرت الضد، لزم أن يكون فاعل المكروه عاصيًا، لأنه فاعل ما نهى عنه، لكن ذلك غير صحيح، إذ لا يطلق عليه عاص، فكذلك لا يكون فاعل البدعة المكروهة ضالًا، وإلا فلا فرق بين اعتبار الضد في الطاعة واعتباره في الهدى، فكما يطلق على البدعة المكروهة لفظ الضلالة، فكذلك يطلق على الفعل المكروه لفظ المعصية، وإلا فلا يطلق على البدعة المكروهة لفظ الضلالة، كما لا يطلق على الفعل المكروه لفظ المعصية، إلا أنه قد تقدم عموم لفظ الضلالة لكل بدعة، فليعم لفظ المعصية كل فعل مكروه، لكن هذا باطل، فما لزم عنه كذلك.

والجواب: أن عموم لفظ الضلالة لكل بدعة ثابت -كما تقدم بسطه-، وما التزمتم في الفعل المكروه غير لازم:

أما أولًا: فإنه لا يلزم في الأفعال أن تجرى على الضدية المذكورة إلا بعد استقراء الشرع، ولما استقرينا موارد الأحكام الشرعية، وجدنا للطاعة والمعصية واسطة متفقًا عليها أو كالمتفق عليها، وهى المباح، وحقيقته أنه ليس بطاعة من حيث هو مباح، فالأمر والنهى ضدان بينهما واسطة لا يتعلق بها أمر ولا نهى، وإنما يتعلق بها التخيير.

وإذا تأملنا المكروه -حسبما قرره الأصوليون-، وجدناه ذا طرفين: طرف من حيث هو منهى عنه، فيستوى مع المحرم في مطلق النهى، فربما يتوهم أن مخالفة نهى الكراهية معصية من حيث اشترك مع المحرم في مطلق المخالفة.

غير أنه يصد عن هذا الإطلاق الطرف الآخر، وهو أن يعتبر من حيث لا يترتب على فاعله ذم شرعى ولا إثم ولا عقاب، فخالف المحرم من هذا الوجه، وشارك المباح فيه، لأن المباح لا ذم على فاعله ولا إثم ولا عقاب، فتحاملوا أن يطلقوا على ما هذا شأنه عبارة المعصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت