الصفحة 181 من 471

ومثل هذا: الدُّعاء، فإنه ذكر الله، ومع ذلك، فلم يلتزموا فيه كيفيات، ولا قَّيدوه بأوقات مخصوصة -بحيث يشعر باختصاص التعبُّد بتلك الأوقات- إلا ما عيَّنه الدليل، كالغداة والعشى، ولا أظهروا منه إلا ما نصَّ الشارع على إظهاره، كالذكر في العيدين وشبهه [1] ، وما سوى ذلك، فكانوا مثابرين على إخفائه وسره، ولذلك قال لهم النبى - صلى الله عليه وسلم - حين رفعوا أصواتهم (أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا) [2] وأشباهه، فلم يظهروه في الجماعات.

فكل من خالف هذا الأصل، فقد خالف إطلاق الدَّليل أولًا، لأنه قيَّد فيه بالرأى، وخالف مَن كان أعرف منه بالشريعة -وهم السلف الصالح

رضى الله عنهم-، بل كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يترك العمل وهو يحبُّ أن يعمل به خوفًا أن يعمل به الناس فيفرض عليهم [3] .

ومن أمثلة هذا الأصل التزام الدعاء بعد الصلوات بالهيئة الاجتماعية معلنًا بها في الجماعات، وسيأتى بسط ذلك في بابه إن شاء الله تعالى.

فصل

(1) ... إظهار التكبير في العيدين: انظر مصنف ابن أبي شيبة، باب التكبير إذا خرج إلى العيد: روايات عن عمر وابنه وابن عباس وابن مسعود وعلي وزيد بن ثابت والزهري، قال في الإرواء (3/121، 122 ح649،650) : عند ابن أبى شيبة بسند صحيح عن الزهرى قال:"كان الناس يكبرون في العيد حين يخرجون من منازلهم حتى يأتوا المصلى، وحتى يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام سكتوا، فإذا كبر كبروا. وصحح أثر ابن عمر عند ابن أبي شيبة والدارقطنى (180) والبيهقى (3/279) . وانظر البخاري، العيدين، باب التكبير أيام منى."

(2) ... رواه البخاري (4205) مسلم (2704) وأبو داود (1528) والبيهقي وابن أبي شيبة والنسائي في الكبرى (7679) من حديث أبي موسى الأشعري.

(3) ... هذا نصّ حديث عائشة عند البخاري (1128) ومسلم (718) وأبو داود (1293) وعبد الرزاق (4867) وابن خزيمة (2104) وابن حبان (312) والبيهقي والنسائي في الكبرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت