وفى الحديث: (مثل أمتى كمطر، لا يُدرى أوله خير أم آخره؟) [1] قالوا: فهذا يقتضى أنه لم يثبت لأول هذه الأمة فضل على الخصوص دون آخرها ولا العكس.
ثم نقل: (خير القرون قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) [2]
(1) ... رواه أحمد (3/130، 143) من حديث أنس، وحسَّن إسناده محققوا مسند الرسالة وقالوا: قوي بطرقه وشواهده (19/334) وقال الحافظ في الفتح: حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة. ورواه كذلك الترمذي (2869) وأبو يعلى (3475، 3717) وفيه متروك، ورواه من حديث عمار أحمد (4/319) وابن حبان (2307 موارد) والبزار (1412البحر الزخار) . ومن حديث عمران بن الحصين رواه البزار (2075 مختصره) والطبراني في الأوسط (3673) ، ومن حديث ابن عمر رواه أبو نعيم في الحلية (2/231) . ورواه من حديث عبد الله بن عمرو الطبراني في الكبير (65 الملحق بالجزء 13) وابن عبد البر في التمهيد (20/253) ، وفي سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وهو ضعيف. ورواه من حديث أبي نجيد الطبراني في الأوسط (3660) . والحديث أورده الألباني في الصحيحة (2286) . وانظر الفتح (7/8) ومجمع الزوائد (10/68) .
(2) ... رواه البخاري (6428، 6429) ومسلم (2533، 2534) من حديث عمران بن الحصين ومن حديث ابن مسعود.
أما التوفيق بين هذا الحديث والذي قبله: فقال الحافظ في الفتح (7/8، 9) : واقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر، والذي يظهر: أن من قاتل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا من كان، وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحث. واحتج ابن عبد البر بحديث"مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره"وهو حديث حسن له طرق قد يرتقى بها إلى الصحة. وروى أبو داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة رفعه"تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين، قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: بل منكم"، وهو شاهد لحديث"مثل أمتي مثل المطر"، واحتج ابن عبد البر أيضًا بحديث عمر رفعه"أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني"الحديث أخرجه الطيالسي وغيره، لكن إسناده ضعيف فلا حجة فيه. وروى أحمد والدارمي والطبراني من حديث أبي جمعة قال:"قال أبو عبيدة: يا رسول الله، أأحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك. قال: قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني"وإسناده حسن، وقد صححه الحاكم. واحتج بأن السبب في كون القرن الأول خير القرون، أنهم كانوا غرباء في إيمانهم، لكثرة الكفار حينئذ وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، قال: فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين وتمسكوا به، وصبروا على الطاعة حين ظهور المعاصي والفتن كانوا أيضًا عند ذلك غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الزمان، كما زكت أعمال أولئك. ويشهد له ما رواه مسلم عن أبي هريرة رفعه"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء"وقد تعقب كلام ابن عبد البر، بأن كلامه أن يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل من بعض الصحابة، وبذلك صرح القرطبي، لكن كلام ابن عبد البر ليس على الإطلاق في حق جميع الصحابة، فأنه صرح في كلامه باستثناء أهل بدر والحديبية. نعم والذي ذهب إليه الجمهور: أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، لمشاهدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأما من اتفق له الذب عنه والسبق إليه بالهجرة أو النصرة، وضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده فأنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده، لأنه ما من خصلة من الخصال المذكورة إلا للذي سبق بها مثل أجر من عمل بها من بعده، فظهر فضلهم. ومحصل النزاع: يتمخض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة كما تقدم، فإن جمع بين مختلف الأحاديث المذكورة كان متجهًا، على أن حديث للعامل منهم أجر خمسين منكم لا يدل على أفضلية غير الصحابة على الصحابة، لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضًا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به من شاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - من زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد، فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة، وأما حديث أبي جمعة: فلم تتفق الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية كما تقدم، ورواه بعضهم بلفظ"قلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجرًا"؟ الحديث أخرجه الطبراني وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وهي توافق حديث أبي ثعلبة، وقد تقدم الجواب عنه والله أعلم. وانظر التمهيد (20/250) .