الصفحة 178 من 471

فاقتضى أن الأولين أفضل على الإطلاق.

قالوا: فهذا تناقض!

وكذبوا، ليس ثمَّ تناقض ولا اختلاف، وذلك أن التعارض إذا ظهر لبادي الرأى في المقولات الشرعية: فإما أن لا يمكن الجمع بينهما أصلًا وإما أن يمكن:

فإن لم يمكن، فهذا الفرض بين قطعى وظنى، أو بين ظنيين، فأما بين قطعيين، فلا يقع في الشريعة، ولا يمكن وقوعه، لأن تعارض القطعيين محال.

فإن وقع بين قطعى وظنى، بطل الظنى.

وإن وقع بين ظنيين، فها هنا للعلماء فيه الترجيح، والعمل بالأرجح متعيِّن، وإن أمكن الجمع فقد اتفق النُّظَّار على إعمال وجه الجمع، وإن كان له وجه ضعيف، فإن الجمع أولى عندهم، وإعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها.

فهؤلاء المبتدعة لم يرفعوا بهذا الأصل رأسًا، إما جهلًا به، أو عنادًا.

فإذا ثبت هذا، فقوله (خير القرون قرنى) هو الأصل في الباب، فلا يبلغ أحدنا مبلغ الصحابة رضى الله عنهم، وما سواه يحتمل التأويل على حال أو زمان أو في بعض الوجوه.

وأما قوله: (فطوبى للغرباء) [1] ، لا نصَّ فيه على التفضيل المشار إليه، بل هو دليل على جزاء حسن، ويبقى النظر في كونه مثل جزاء الصحابة أو دونه أو فوقه محتمل، فليس في الحديث عليه دليل، فلابد من حمله على محكم الأصل الأول ولا إشكال.

فجميع ما ذكر في هذا الفصل راجع إلى إسقاط الأحاديث بالرأى المذموم الذى تقدَّم استشهادنا عليه أنه من البدع المحدثات.

فصل

ومنها: تحريف الأدلة عن مواضعها:

بأن يرد الدليل على مناط [2] ، فيصرف عن ذلك المناط إلى أمر آخر، موهمًا أن المناطين واحد، وهو من خفيّات تحريف الكلم عن مواضعه والعياذ بالله.

(1) ... صحيح: تقدم أول الكتاب ص20.

(2) ... المناط: من ناط ينوط نوطًا: أى علَّقه، قال ابن فارس: النون والواو والطاء أصل صحيح يدل على تعليق شىء بشىء. أهـ وعند الفقهاء الأصوليين المناط: العلة لأن الحكم لما تعلق بها صار كالشىء المتعلق بغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت