والصنف الثالث: أصحاب التجهيل الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا نعقل معانيها ولا ندرى ما أراد الله ورسوله منها، ولكن نقرأها ونعلم أن لها تأويلًا لا يعلمه إلا الله، وهى عندنا بمنزلة { كهيعص } [1] ، و { حم . عسق } [2] ، { المص } [3] فلو ورد علينا منها ما ورد لم نعتقد فيها تمثيلًا ولا تشبيهًا ولم نعرف معناه وننكر على من تأوله ونكل علمه إلى الله، وظن هؤلاء أن هذه طريقة السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات، ولا يفهمون معنى قوله { خلقت بيدى } [4] ، وقوله { والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة } [5] ، وقوله { الرحمن على العرش استوى } [6] ، وأمثال ذلك من نصوص الصفات، وبنوا هذا المذهب على أصلين:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحدهما: أن هذه النصوص من المتشابه.
والثانى: أن للمتشابه تأويلًا لا يعلمه إلا الله.
فنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأنهم كانوا يقرأون { الرحمن على العرش استوى } و { بل يداهُ مبسوطتان } [7] ويروون (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا( ولا يعرفون معنى ذلك ولا ما أريت، ولازم قولهم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه، ثم تناقضوا أقبح تناقض فقالوا: تجرى على ظواهرها وتأويلها بما يخالف الظواهر باطل، ومع ذلك فلها تأويل لا يعلمه إلا الله، فكيف يثبتون لها تأويلًا ويقولون تجرى على ظواهرها، ويقولون الظاهر منها غير مراد، والرب منفرد بعلم تأويلها؟ وهل في التناقض أقبح من هذا؟
(1) ... مريم: 1.
(2) ... الشورى: 1، 2.
(3) ... الأعراف: 1.
(4) ... ص: 75.
(5) ... الزمر: 67.
(6) ... طه: 5.
(7) ... المائدة: 64.