الصفحة 44 من 369

إن المظهر الاقتصادي للأزمة يتجلى في فشل السياسات الليبرالية الاقتصادية التي صاغها الصندوق والبنك الدوليين في ثمانينيات القرن الماضي، والتي عرفت باسم برامج التثبيت والتكيف الهيكلي أو ما يسمى ببرامج التصحيح، بسبب أن هذه البرامج أو التوجهات الليبرالية الجديدة التي أُخضعت لتطبيقها غالبية الدول المتخلفة، طمست أو غيبت بشكل مرسوم ومتعمد، كل مصطلحات"التنمية"و"التحرر الاقتصادي"و"التقدم الاجتماعي"و"العدالة الاجتماعية"، إذ أنه بعد مرور ما يقرب من ثلاثة عقود من الزمن، على استجابة البلدان المتخلفة، لتطبيق السياسات، تحصد هذه البلدان، مع بداية القرن الحادي والعشرين، النتائج الوخيمة التي لم تتوقف عند العجز عن مواجهة تحديات التنمية فحسب، بل أدت إلى تفاقم المديونية الخارجية والداخلية، وعجز بعض الدول عن سداد فوائد هذه الديون إلى البنك الدولي صاحب تلك السياسات والبرامج، كما أدت أيضا إلى تباطؤ وتراجع حركة النمو الاقتصادي. وعلى الصعيد الاجتماعي تتجلى انعكاسات المخاطر الاقتصادية الناجمة عن تزايد أشكال تراكم الثروات، في هذا الاتساع المتزايد للفجوة بين القلة من الأثرياء والأغلبية الساحقة من الجماهير الفقيرة التي يزداد وضعها فقرا وتخلفا وتهميشا.

المطلب الأول

الأزمة في الفكر الاقتصادي

إن الأزمة في اللغة تعنى الشدّة والقحط، وقيل تعنى السّنة المجدبة. [1]

(1) ـ أصلها الفعل تأزّم ، وجمعها إزم ، وأزم ، أزم عليهم العام: إشتدّ قحطه ، أنظر: لسان العرب ، قرص مضغوط ، إنتاج المستقبل للإنتاج الإلكتروني ، بيروت ، الإصدار1،0 ـ 1995.

وقد جاء القرآن الكريم في سورة يوسف عليه السلام ما يفيد بحلول سنوات الجدب، وهنّ السبع بقرات عجاف اللاتي تأكل السبع السّمان ، وهو تعبير عن الأزمة والقحط الذي يأتي بعد سنوات الغيث والخصب ، اقرأ وتدبّر الآيات 43 إلى 49 من سورة يوسف عليه السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت