إن المناخ الاقتصادي الدولي المهيمن يتسم بجو انتشار الأفكار الليبرالية الجديدة على الساحة الاقتصادية والمالية وفي كل أنحاء العالم [1] ، مما أنتج أسلوبا تنمويا يقتضي تقليص دور الدولة في الآليات الاقتصادية وبيع منشآت القطاع العام إلى القطاع الخاص، وكذلك الحدّ، بل التراجع في تقديم الحماية الاجتماعية وقيام الدولة بإعطاء الحوافز الضريبية إلى المستثمرين في القطاع الخاص وإلى أصحاب التوظيفات في الأسواق المالية المحلية. وهذا الأسلوب التنموي الجديد فرض على كل البلدان وبتجاهل تام للمعطيات الاقتصادية المختلفة وللبنى الاجتماعية الخاصة بكل بلد.
من الواضح أن الدولة إذا ما تخلّت عن القيام بجهد أساسي في عملية التنمية الشاملة، فإن هذه تصبح بدون رعاية، لكن المفارقة أن الدول الصناعية الغنية التي تدعو البلدان النامية إلى تقليص دور الدولة وإلى الخصخصة وتخفيض حجم إنفاقها التنموي، بالوقت ذاته هذا، نجد أنها تعزز دور الدولة خاصة في الشأن الاجتماعي، فطبقًا لبيانات البنك الدولي: فقد زاد حجم الحكومة في إنكلترا من 31.6% سنة 1970 إلى 39.1% سنة 1997. وارتفع حجمها في فرنسا من 39.5% سنة 1980 إلى 46.6% سنة 1997. وفي السويد زاد حجم الحكومة من 25.2% إلى 44.3% سنة1997. ويمثل الاستثمار العام في السوق 20% من الاستثمار المحلي الإجمالي سنة1996.
(1) ـ حتى أن بعض رواد الفكر الكينزي الجدد، أصبحوا يطالبون بتقييد حجم تدخل الدولة في بعض المجالات،من قبيل تحرير سياسات أسعار الفائدة، وأسعار الصرف،وأسعار السلع، وتشجيع التفتح على الخارج، وذلك بعد أن كان أسلافهم الأوائل من كينز وحتى رومر ولوكاس يطالبون بوجوب تدخل الدولة باستخدام توليفة من السياسات المالية والنقدية والاجتماعية إلى جانب آليات السوق.