رأينا في الفصل الأول من بحثنا هذا، أنه كان من الصعوبة الاتفاق على تحديد علمي دقيق لمفهوم التنمية، خصوصا وأن أدبياتها تجمع على أن مفهومها هو مفهوم التغيير الذي يشمل الإنسان والمجتمع والدولة ويتغلغل في جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية ـ ولذلك فإن مفهوم التنمية نتيجة للطبيعة البشرية ذاتها وتحت ضغط التحولات العالمية، إِتسَعَ ليبتعد عن المضمون الاقتصادي المحض والذي يتجسد في النمو الاقتصادي، ليشتمل على مؤشرات عديدة ومتنوعة تمس منافعها المجتمع بأكمله، فنتج عن هذا الاتساع في المضمون أن برزت إلى الواجهة مفاهيم جديدة من قبيل الخيرات العامة العالمية والتنمية المستديمة والحكمية [1] La gouvernance وما إلى ذلك، وأصبح ينظر إلى التنمية على أنها عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب.
وأصبح يتم تقييم التنمية من خلال ما تحدثه من تغيير وتقاس إما بمؤشرات اقتصادية مثل معدل الدخل ومستوى المعيشة أو بمؤشرات سياسية مثل المشاركة السياسية وكفاءة الجهاز البيروقراطي واحترام حقوق الإنسان، أو بمؤشرات أخرى تعكس الآثار على البيئة مثل مؤشر الناتج المحلي الصافي المصحح بيئيا أو قابلية الحياة والاستمرارية ونسبة تلوث الهواء والمياه ودرجة تدهور الأراضي...وما إلى ذلك.
(1) ـ يقصد بمفهوم التنمية المستديمة، محاولة تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي من جهة والمحافظة على البيئة من جهة أخرى وبتعبير آخر هي تحقيق حاجات الجيل الحالي دون تضحية بحاجات الأجيال القادمة.
وأما الحكمية فهو بعبر عن مسار المشاركة وتوزع المسئولية والتضامن كآلية جديدة لإدارة الشئون الدولية وللعناية بالخيرات العامة العالمية بما يتضمنه ذلك من تمايز في الأدوار مابين المعنيين.