عندما عادت الأمة إلى وحدتها وهويتها، وكانت رجوعًا للحق وزهوقًا للباطل.
الإحياء السني وتجربة صلاح الدين:
عندما وصلت الحملة الصليبية الأولى إلى بلاد الشام عام 491هـ كانت بلاد الشام ومصر في حالة مزرية من الضعف والانقسام، وكذلك كانت الخلافة العباسية في بغداد، ليس لها من الخلافة إلا الاسم والرمز.
وجدت الحملة الصليبية مدنًا خالية من التحصينات لا يربط بينها نظام دفاعي، وإن وقع دفاع فهو من قبل المتطوعين، وليس من الجيوش الرسمية، وإذا استطاعت مدينة مثل أنطاكية أن تواجه الغزاة وحدها وتصمد مدة تسعة أشهر، ولكن لا أحد من المدن المجاورة هب لنجدتها. كان الحكام موزعي الأهواء والولاءات، شغل كل واحد منهم الحفاظ على مدينته أو إقطاعه، لقد فقدوا الإحساس بالمسؤولية الدينية والخلقية وبعضهم تآمر مع الأعداء ففي عام 492هـ وقع أول هجوم صليبي على مدينة عسقلان بعد احتلال القدس، وقد استغرب الوزير الفاطمي (الأفضل) هذا الهجوم، فقد كانت له اتصالات بالصليبيين في المراحل الأولى في حملتهم، بلغت حد تحريضهم والتحالف معهم على تقاسيم الشام، الجنوب للفاطميين والشمال للغزاة (5) وفي عام 523هـ قام أحد دعاة الباطنية من فرقة الحشاشين بمراسلة الفرنجة ليسلم إليهم دمشق ويسلموا له مدينة صور واتفقوا على ذلك، فبلغ الخبر متولي دمشق (بوري بن طغتكن) فاستدعى رئيس هذه الطائفة وقتله، ونادى في البلد بقتل الباطنية. وكفى الله المسلمين شرهم (6) . وفي عام 569هـ اجتمع جماعة من دعاة الفاطميين وبعض العوام، وتآمروا فيما بينهم خفية، وأجمعوا على أن يقيموا خليفة ووزيرًا، وقرروا أن يكاتبوا الفرنج، وأدخلوا معهم في هذا الأمر بعض النصارى واليهود، وراسلوا ملك صقلية النورماندي، واتفقوا مع رشيد الدين سنان شيخ الجبل الإسماعيلي في (مصياف) (7) لاستغلال خناجر مريديه لاغتيال صلاح الدين، وقالوا له: الدعوة واحدة والكلمة جامعة..." (8) وقد تعرض فعلًا صلاح الدين"