الصفحة 50 من 150

آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى. [1]

قال الإِمام القرطبي-رحمه الله-:"دلت الآية على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه، وأن يُقْتَصَرَ على المستحق من القتال والاسترقاق، وأن المثلة بهم غير جائزة، وإِن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمونا بذلك، فليس لنا أن نقتلهم بمثلة قصدًا لإيصال الغم والحزن إِليهم" [2] .

وفي كون العدل مع الأعداء الذين نبغضهم أقرب للتقوى احتمالان:

الأول: أن يكون أقرب إلى كمال التقوى، وذلك لأن كمال التقوى يتطلب أمورًا كثيرة، منها هذا العدل، والأخذ بكل واحد من هذه الأمور يقرب من منطقة التقوى الكاملة.

الثاني: أن يكون أقرب إلى أََصل التقوى فعلًا من ترك العدل مع الأعداء، ملاحظين في ذلك مصلحة الإسلام وجماعة المسلمين، وذلك لأنه قد يشتبه على ولي الأمر من المسلمين في قضية من القضايا المتعلقة بعدو من أعدائهم، هل التزام سبيل العدل معه أرضى لله؟ أو ظلمه هو أرضى لله باعتباره معاديًا لدين الله؟ وأمام هذا الاشتباه يُعطي الله منهج الحل فيقول: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِِلتّقْوَى} . أي: مهما لاحظتم أن ظلمه لا يتنافى مع التقوى فالعدل معه أقرب للتقوى.

ولا يخفى أن من ثمرات هذا العدل ترغيب أعداء الإسلام بالدخول فيه، والإيمان بأنه هو الدين الحق، وكم من حادثة عدل حكم فيها قاضى المسلمين لغير المسلم على المسلم اتباعًا للحق، فكانت السبب في تحبيبه

(1) سورة المائدة، الآية. (8) .

(2) تفسير القرطبي6/ 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت