الصفحة 51 من 150

بالإسلام ثم في إسلامه. ويبدو هذا الوجه قويًا راجحًا، وأنه المراد، والله أعلم [1] .

ومن تطبيقات المؤمنين لذلك، ما رواه الإمام مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار؛ أن رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم- كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود خيبر. قال:"فجمعوا له حليًا من حلي نسائهم، فقالوا له: هذا لك وخفِّفْ عنّا وتجاوز في القَسِْم، فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود، والله إنّكم لمن أبغض خلق الله إليَّ، وماذاك بحاملي على أن أحيف عنكم. فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سُحْت، وإنّا لانأكلها، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض" [2] .

هذه هي حقيقة العدالة الإسلامية في حق الأعداء، وهي عدالة لم تصل إليها البشرية لا في تاريخها القديم، ولا في التاريخ الحديث. وهذا هو عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - أحد الصحابة الكرام الذين طبقوا مبادئ الإسلام وتعاليمه على أنفسهم وعلى الناس، وفي واقع الحياة.

المطلب الرابع: العدل قرين الإحسان

وفي النص الكلي الجامع يقول الله تعالى في سورة النحل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) } . [3]

ومن هذا يظهر لنا، أن الشريعة الإسلامية حين قررت أحكامها ونظمها المنظمة لعلاقات الناس المادية والأدبية والسياسية، راعت فيها أن مكارم الأخلاق توجبها أو تحسنها، وتحرم أضدادها، أو تقبحها، فهي نظم بوصفها أحكامًا منظمة، وهي عند تطبيق الأفراد قد تكون أيضًا ظواهر سلوكية لأخلاق كريمة متمكنة في نفوسهم، وعند تدريب المؤمنين

(1) الأخلاق الإسلامية، عبد الرحمن الميداني1/ 634.

(2) الموطأ 2/ 703، 704. وقد رواه أبو داود مختصرًا من طريق آخر عن ابن عباس-رضي الله عنه-. انظر سنن أبي داود 3/ 263، ح 3410؛ عون المعبود 9/ 274، ح3393. والحديث سكت عنه الحافظ المنذري، مختصر سنن أبي داود 5/ 68، ح3268.

(3) سورة النحل، الآية (90) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت