والشاهد الأخير- الثالث- يتضمن ردا قويا للحافظ جلال الدين السيوطي ناقش فيها تلك الرواية، فقال: (( وهذه الآثار مشكلة جدا وكيف يظن بالصحابة أولا أنهم يلحنون في الكلام فضلا عن القرآن وهم الفصحاء اللُّد؟؟!!. ثم كيف يظن بهم ثانيا في القرآن الذي تلقوه من النبي كما أنزل وحفظوه وضبطوه وأتقنوه؟؟!! ثم كيف يظن بهم ثالثا اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته؟؟!!. ثم كيف يظن بهم رابعا عدم تنبههم ورجوعهم عنه؟؟!!. ثم كيف يظن بعثمان أنه ينهي عن تغييره؟؟!! ثم كيف يظن أن القراءة استمرت على مقتضي ذلك الخطأ وهو مروي بالتواتر خلفا عن سلف؟؟!! هذا مما يستحيل عقلا وشرعا وعادة وقد أجاب العلماء عن ذلك بثلاثة أجوبة: أحدها إن ذلك لا يصح عن عثمان فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع، ولأن عثمان جعل للناس إماما يقتدون به فكيف يرى فيه لحنا ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها. فإذا كان الذين تولوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك وهم الخيار فكيف يقيمه غيرهم؟؟!!. وأيضا فإنه لم يكتب مصحفا واحدا بل كتب عدة مصاحف!!. فإن قيل: إن اللحن وقع في جميعها فبعيد اتفاقها على ذلك أو في بعضها فهو اعتراف بصحة البعض ولم يذكر أحد من الناس أن اللحن كان في مصحف دون مصحف ولم تأت المصاحف قط مختلفة إلا فيما هو من وجوه القراءة وليس ذلك بلحن ) ) [1] .
و (( الوجه الثاني على تقدير صحة الرواية إن ذلك محمول على الرمز والإشارة ومواضع الحذف نحو الكتب والصابرين وما أشبه ذلك. الثالث أنه مؤول على أشياء خالف لفظها رسمها كما كتبوا ولا أوضعوا و لا أذبحنه بألف بعد لا و جزاؤا الظالمين بواو وألف وبأييد بيائن فلو قرئ بظاهر الخط لكان لحنا وبهذا الجواب وما قبله جزم ابن أشته في كتاب المصاحف ) ) [2] .
والرواية العاشرة من مسند أحمد بن حنبل: (( حدثنا عبد الله، حدثني أبي ثنا عفان بن مسلم، ثنا صخر بن جويرية قال: ثنا إسماعيل المكي قال: حدثني أبو خلف مولى بنى جمح: إنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة أم المؤمنين في سقيفة زمزم ليس في المسجد ظل غيرها. فقالت مرحبا وأهلا بأبي عاصم -يعنى عبيد بن عمير- ما يمنعك أن تزورنا، أو تلم بنا. فقال: أخشى أن أَمُلَّكِ. فقالت: ما كنت تفعل. قال: جئت أن أسألك
(1) السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، ج 2 ص: 537.
(2) نفسه، ج 2 ص: 537.