الصفحة 93 من 593

والأمر الثاني مضمونه: إن القول بخطأ الكتاب -الذين دوّنوا القرآن- في كتابتهم لتك الكلمات هو غير مقبول تماما. لأن الذين تولوا العملية هم جماعة متعاونة، وهم عرب أقحاح، وعلماء بالعربية، وعلماء بالقرآن الكريم: رسما و قراءة، وحفظا، و كانوا يُؤمنون به بأنه كتاب الله تعالى، وحريصين جدا على كتابته كتابة صحيحة، وعلى مراجعته مرارا. وكان عندهم المصحف الإمام الذي يكتبون منه، ويُراجعون عليه ومن حفظهم أيضا. فهذه القدرات والاحتياطات، وهذا الحرص والاهتمام من الكُتاب والخليفة يجعل الوقوع في الخطأ من الناحية العملية غير وارد تماما، ومُستبعد كلية، ومن ثم يُمكن الجزم بأنه لم يُقع أية خطأ في تدوين المصحف.

والثاني هو أن الرواية زعمت أن القرآن الكريم دخله تحريف بسبب خطأ الكُتاب في كتابة كلمات منه. وهذا الزعم هو شاهد ضدها، لأنها أدعت أمرا خالفت به قطعيات الشرع، لأن القرآن الكريم كتاب مُحكم تولى الله تعالى حفظه، وأنه كتاب لا يأتيه الباطل أبدا. فكل رواية تدعي أن القرآن تعرض للتحريف، أوأنه ربما يكون قد تعرّض لذلك، فهي رواية باطلة بالضرورة الشرعية، و يجب رفضها، والحكم عليها بأنها مكذوبة. وهذا ينطبق على الرواية التي نحن في صدد نقدها.

وأما الأمثلة التي وردت في الرواية وذكرتها كشواهد على حدوث لحن، أوخطأ في القرآن. فيجب أن نعلم أن القاعدة في الرفع والنصب هي قاعدة معروفة، وكان العرب يتكلمون بها على السليقة، وهي مُطبقة في القرآن الكريم من دون شك. لكن وردت فيه كلمات خالفت القاعدة كقوله سبحانه:"لكن الراسخون"، فهذه الكلمة وغيرها كُتبت خلاف القاعدة المعروفة، ليس بسبب خطأ الكُتاب ولحنهم، وإنما لأنها وردت كذلك من عند الله تعالى لحكمة يعلمها سبحانه. لذا يجب كتابتها كما وردت عن النبي- عليه الصلاة والسلام -. و هي ليست خطأ، ولا يصح وصفها بذلك، لأن القرآن كلام الله، وهو كتاب مُحكم لا يأتيه الباطل أبدا. فكتابة تلك الكلمات على خلاف الأصل، هو أمر جائز، وليس خطأ، فهو من باب الاستثناء لا الأصل، ولاشك أن لها حكمة عندما وردت كذلك، لأن قائلها حكيم ووردت في كتاب حكيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت