الصفحة 89 من 593

والأمر الثاني مفاده أن براءة كانت من أواخر ما نزل من القرآن ولم تكن آخر ما نزل منه [1] . وعليه فقد كان أمام النبي- عله الصلاة والسلام- وقت طويل لكي يُبين لهم حالها، وكان لدى الصحابة الوقت الكافي ليسألوه عنها. فالتعليل الذي أشارت إليه الرواية غير صحيح، ولا شك انه- عليه الصلاة و السلام قد بيّن لهم حال سورة براءة.

والشاهد الرابع مضمونه أن من مظاهر ضعف تلك الرواية أنها زعمت أن مما جعل عثمان يضع براءة بعد الأنفال من دون بسملة هو أن قصة الثانية شبيهة بالأولى. و هذا لا يصح، لأن التشابه الموجود بينهما ليس أساسيا، وإنما هو جزئي عرضي و ينطبق على سور أخرى أيضا. لأن لكل سورة موضوع أساسي قامت عليه، مع الفارق في الزمن والظروف. فسورة الأنفال تناولت غزوة بدر، والجهاد في الإسلام، و الغنائم، والمنافقين ... إلخ.

وسورة براءة تناولت موضوعا أساسيا هاما وخطيرا يتعلق بوضع المشركين في الجزيرة العربية بعد فتح مكة، وما ترتب عنه من انتشار للإسلام وتراجع للشرك وأهله. فالتبرير الذي ذكرته ضعيف جدا، بل لا يصح، مما يدل على ضعف الرواية، وأن ما نسبته لعثمان بن عفان غير صحيح.

والشاهد الأخير- الخامس - مفاده أنه يتضح من الرواية أن ما ذكرته تم زمن خلافة عثمان. و هذا لا يصح، لأن عمل عثمان تمثل في توحيد المصاحف على لسان قريش، وإقرار القراءات الصحيحة. و لم يكن عمله جمع القرآن في مصحف واحد حسب ترتيب سوره. فهذا العمل قام به زيد بن ثابت عندما كلفه أبو بكر الصديق بذلك [2] . ولا يُعقل و لا يصح أن يبقى أمر سورة براءة مجهولا مدة خلافة الشيخين، إلى خلافة عثمان ففعل الذي زعمته تلك الرواية. فهذا زعم لا يصح، ولاشك أن زيد ابن ثابت اعلم برسم المصحف و قراءاته من عثمان. مما يعني أنه هو الذي رتب آيات القرآن وسوره كما تلقاها من النبي- عليه الصلاة والسلام-.

وأُشير هنا إلى أن بعض أهل العلم قد ردوا هذه الرواية، منهم أبو نعيم الأصفهاني، قال: (( هذا حديث غريب تفرد به عوف عن يزيد، رواه عنه

(1) ابن كثير: تفسير ابن كثير، حققه سامي سلامة، دار طيبة، 1420، ج 4 ص: 101.

(2) سبق توثيق ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت