والرواية الثامنة من رواية أبي بكر بن أبي داود: (( حدثنا عبد الله قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، وابن أبي عدي وسهل بن يوسف قالوا: حدثنا عوف بن أبي جميلة قال: حدثني يزيد الفارسي قال: حدثني ابن عباس- رضي الله عنه- قال: قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المائين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما:"بسم الله الرحمن الرحيم"ووضعتموهما في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول:"ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وإذا أنزل عليه الآية يقول:"ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا " وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، فقبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر:"بسم الله الرحمن الرحيم"ووضعتهما في السبع الطوال ) ) [1] ."
هذه الرواية تضمنت الطعن في القرآن الكريم والنبي- عليه الصلاة والسلام-، القول بتدخل العمل البشري في إكمال عمل رسول الله من جهة. وفتح باب الشك بأنه من المحتمل أن تكون آيات وسور أخرى حدث لها ما حدث لسورة براءة، أو وُضعت في غير مكانها من جهة ثانية , ومن الممكن أن بعض هذه الآيات التي تُركت لعمل الأفراد، قد يكون ضاع قسم منها من جهة ثالثة. وتضمنت أيضًا الإشارة إلى أن الرسول- عليه الصلاة والسلام- ترك متن القرآن ناقصا عندما لم يُكمل عمله في وضع آيات وسور القرآن مكانها الصحيح. وهذا طعن خطير في النبي والقرآن معا. فهل ما زعمته هذه الرواية صحيح؟؟!!.
إنها مزاعم باطلة، لأن الرواية لم تصح إسنادا ولا متنًا. فمن جهة الإسناد فهو غير صحيح لأن من رجاله: محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي أبو بكر الحافظ البصري بندار (ت 167 - 252هـ ) ): وثقه كثير من أهل الحديث، لكن بعضهم استضعفه وكذبه، وفيه لين [2] . وقال الذهبي: (( ثقة صدوق. كذبه الفلاس، فما أصغى أحد إلى تكذيبه لتيقنهم أن بندارا صادق أمين. وقال عبد الله بن الدورقى: كنا عند يحيى بن معين فجرى ذكر بندار، فرأيت يحيى لا يعبأ به ويستضعفه. ورأيت القواريرى لا يرضاه. وكان صاحب حمام. قلت: قد احتج به أصحاب الصحاح كلهم، وهو حجة بلا ريب ) ) [3] . ومع أن موقف الذهبي قوي، إلا أن حكمه ليس قطعيا، لأن الذين ضعفوه موقفهم أيضا له اعتبار، وقد تتوفر الشواهد لتقويته. والقول بأنه حجة بلا ريب لا يصح، لأن موقف الذين ضعفوه له اعتبار ويُضعف موقف الذين وثقوه، ولا يجعل الرجل حجة بلا ريب. لأنه لا يُوجد دليل قطعي يُثبت موقفهم ويُبطل موقف الذين ضعفوه. ويزيد في تضعيفه أيضا أن متن الرواية فيه ما يُنكر. وعليه فإن حال الرجل لم يثبت توثيقه ولا تضعيفه، وهذا يتطلب منا التوقف في حاله.
والثاني: عوف بن أبي جميلة (ت 146هـ عن 86سنة) . قال عبد الله بن المبارك: (( ما رضي عوف ببدعة واحدة حتى كانت فيه بدعتان كان قدريا وكان شيعيا ) ) [4] . وقال محمد بندار وهو يقرأ حديث عوف: (( يقولون عوف، والله لقد كان عوف قدريا رافضيا شيطانا ) ) [5] . وقيل فيه: صدوق، صالح، ثقة، ثبت [6] . وعده ابن قتيبة من رجال الشيعة [7] . وذكره الشيعة الإمامية من رجالهم [8] ، ورووا مروياته في كتبهم [9] .
و الثالث- الأخير-: يزيد الفارسي: فيه جهالة، وقيل: لا بأس به، مقبول [10] . فالرجل لم يبلغ درجة الثقة والحجة.
وقد وردت هذه الرواية من عدة طرق أحصيت منها أكثر من ثمانية طرق [11] . تبين منها أن مدارها على عوف الأعرابي عن يزيد الفارسي، فهي رواية آحاد، و هذا يُضعفها ولا يُقويها. و من جهة أخرى فلا يُعقل
(1) ابن أبي داود: المصاحف، ص: -225 - 226.
(2) الذهبي: المغني في الصعفاء، رقم: 5327، ص: 272.
(3) الذهبي: ميزان الاعتدال، رقم: 7269، ج 5 ص: 409.
(4) العقيلي: الضعفاء الكبير، ط2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1418هـ، 1998، رقم: 1471، ج 1 ص: 422.
(5) العقيلي: الضعفاء الكبير،، رقم: 1471، ج 1 ص: 422.
(6) المزي: تهذيب الكمال، رقم: 4545، ج 22 ص: 437 و ما بعدها.
(7) ابن قتيبة: المعارف، ص: 139.
(8) محمد جعفر الطبسي: رجال الشيعة في أسانيد السنة، رقم: 98، ج 2 ص: 60.
(9) أنظر مثلا: فرات بن إبراهيم الكوفي: تفسير فرات الكوفي، ط1، طهران، 1990، ج 2 ص: 86. و الحاكم الحسكاني: شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الايات النازلة في اهل البيت، ط1، طهران، 1411، ج 4 ص: 169.
(10) ابن حجر: التقريب، ح 2 ص: 335. و تهذيب التهذيب، رقم: 622، ج 10 ص: 263.
(11) ابن أبي داود: المصاحف، ص: - 226.و الطبري: تفسير الطبري، ج 1 ص: 102. و أحمد النحاس: الناسخ و المنسوخ، ط1، دار الفلاح، الكويت 1408ص: 478. و ابن شبة: تاريخ المدينة، ج 2 ص: 179.و الترمذي: السنن، حققه أحمد شاكر و آخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 5 ص: 272. و أحمد بن حنبل: المسند، ج 1 ص: 57.و أحمد البزار: مسند البزار، ج 1 ص: 82.