الصفحة 83 من 593

والأمر الثاني مفاده أنه لا يصح القول بأن زيد بن ثابت فعل ذلك اجتهادا منه، فهذا لا يُقبل لأن زيدا هو كبير كُتاب الوحي، ويعلم أن آيات القرآن مُحكمة معانيها ومواضيعها، ولا أحد يُحددها إلا النبي- عليه الصلاة و السلام-. و لهذا تقرر لدي علماء الإسلام أن (( ترتيب الآيات في السور فليس في ذلك رخصة بل هو أمر توقيفي عن رسول الله- صلى الله عليه و سلم- ) ) [1] . و قال الجلال السيوطي: (( الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك. وأما الإجماع فنقله غير واحد، منهم: الزركشي في البرهان، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين ) ) [2] .

والشاهد الأخير- الرابع - مفاده أن تلك الرواية تضمنت تغليطات وتناقضات تشهد على أن هذه الرواية مُلفقة مدسوسة تلاعب بها المحرفون لغايات في نفوسهم. فمن ذلك أنها ذكرت أن زيد بن ثابت جمع مُصحفا ثم قارنه مع المصحف البكري الذي طلبه عثمان من حفصة أم المؤمنين!!. ذكرت ذلك، وكأن زيدا لا علاقة له بالمصحف البكري!!، أليس هو الذي كلفه أبو بكر بجمع نسخ القرآن، وتكوين مُصحف واحد؟؟!!. وبما أنه فعل ذلك، فماذا جمع في المرة الثانية المزعومة؟؟، أليس النُسخ الأصلية قد جمعها في المرة ألأولى أليس هذه الرواية تُحرّف التاريخ عن قصد وسبق إصرار و ترصد، و تضحك به علينا؟؟!!.

ومنها أيضا أنها زعمت أن زيدا فقد آيات من مصحفه الذي جمعه زمن عثمان، فبحث عنها فلم يجدها عند المهاجرين ولا الأنصار إلا عند شخصين فقط. فكيف عرف أنه فقدها؟؟!!، فإذا كان يحفظها فعليه أن يلحقها بالمصحف وانتهى الأمر، ولا فائدة من البحث عنها. وإذا لم يكن يحفظها، فكيف عرف أنه افتقدها؟؟!. وإذا قيل: افتقدها مكتوبة في نُسخها الأصلية. قلنا: هذا لا يصح، لأن النُسخ الأصلية كان زيد قد جمعها عندما كلفه أبو بكر الصديق بجمع القرآن الكريم.

ومن ذلك أيضا أن تلك الرواية زعمت أن زيد بن ثابت فقد آيات فخرج يبحث عنها، فوجدها عند بعض الصحابة، ثم عندما أتم مصحفه وجده يتفق تماما مع المصحف البكري. فأية فائدة من جمعه الثاني، وهو نفسه

(1) ابن كثير: فضائل القرآن الكريم، حققه أبو إسحاق الحويني، دار ابن تيمية، القاهرة 1416 هـ، ص: 142 - 143.

(2) السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، ج 1 ص: 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت