و أما متنًا فهو مُتن مُخلط، ومُلفق، ومُتناقض، جمع بين الحق والباطل لتحقيق غايات مذهبية مُخطط لها سلفا. والرواية في سياقها العام غير صحيحة، بدليل الشواهد الآتية:
الشاهد الأول مضمونه أنه ليس صحيحا أن زيدا كتب مصحفا منفصلا عن المصحف البكري، ثم عندما طلبه عثمان قارن بينهما فوجدهما مُتطابقين. وإنما الصحيح هو أن عثمان طلب المصحف البكري أولا ومنه انطلق العمل، فكان هو المصحف الأم و الوحيد الذي بُني عليه توحيد المصاحف [1] .
والثاني مفاده أن تلك الرواية أشارت إلى أن زيد بن ثابت قام بعملية جمع جديدة للقرآن زمن عثمان، وعليها كون مصحفه. و هذا زعم باطل، لأن الصحيح أن زيدا لم يقم بعملية جمع للقرآن زمن عثمان، فهذا عمل قام به زمن أبي بكر الصديق، وإنما قام بعملية توحيد للحرف والقراءات. وهذا بينته الرواية الصحيحة بوضوح لا لُبس فيه، عندما ذكرت أسباب توحيد المصاحف، ووصية عثمان للذين كلفهم بمهمة وضع حد لاختلاف القراءات. فقال لهم: (( إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ) ) [2] .
والشاهد الثالث مضمونه أن تلك الرواية ذكرت أن زيدا لما عثر على آيتين ألحقهما بآخر سورة براءة، ثم قال:"ولو تمت ثلاث آيات لجعلتها سورةً واحدة". وهذا زعم باطل لأمرين: الأول هو أنه لا يصح شرعا ولا عقلا أن النبي- عليه الصلاة والسلام- يُتوفى و يترك آيات من القرآن غير مُحددة سورها ومواضعها من المصحف. فهذا يتنافى مع اكتمال الدين، والتبليغ الكامل والشامل المأمور به رسول الله- عليه الصلاة والسلام-. قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة: 67 ) )، و (( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: 94 ) ). وعليه فلا يُمكن أن يتهاون النبي في ذلك، ولا يصح قبول رواية تقول بخلافه.
(1) البخاري: الصحيح، ج 6، ص: 183، رقم: 4987.
(2) البخاري: الصحيح، ج 6، ص: 183، رقم: 4987.