الصفحة 79 من 593

يثبت، لأمرين: الأول هو أن الرواية الصحيحة لم تذكر أن أُبي بن كعب كان من بين الذين تولوا تلك المهمة، وإنما عين عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوا المصحف الإمام في المصاحف [1] . فلو كان معهم لذكرته لأنه كان من أعلم الصحابة بالقراءات إن لم يكن أعلمهم بها.

والأمر الثاني مفاده أن أبي بن كعب لم يثبت أنه كان حيا عندما وحد عثمان المصاحف سنة 25هـ، والصحيح أنه كان قد توفي في أواخر خلافة عمر بن الخطاب [2] . فَذِكر تلك الرواية للصحابي أبي بن كعب من بين الذين تولوا توحيد المصحف هو شاهد قوي على عدم صحتها، وتلاعب الرواة بها.

والشاهد الثالث على ضعف تلك الرواية وعدم ثبوتها، أنها أشارت إلى أن الذين تولوا مهمة توحيد المصحف لم يكونوا مُتمهرين ولا كانت لهم معرفة تامة بالمهمة التي كُلفوا بها، حتى أنهم اختلفوا في أشياء فلم يجدوا لها حلا فأخروها، وضلت معلقة. وهذا زعم باطل، لأن الذين كلفهم عثمان، وهو منهم، لو لم يكونوا في مستوى المهمة التي كُلفوا بها لما اختارهم لها. ومن جهة أخرى فمن الثابت أن زيد بن ثابت كان على رأس هؤلاء، وهو أعلم الصحابة برسم القرآن وقراءاته، وكان على معرفة تامة بالمهمة التي كُلف بها. لهذا اختاره أبو بكر لجمع القرآن الكريم، ثم اختاره عثمان ليكون على رأس الذين كلفهم بتوحيد المصاحف في غياب أبي بن كعب لأنه كان قد تُوفي.

والشاهد الأخير- الثالث- مفاده أن تلك الرواية- الخامسة- بما أنها تضمنت الإشارة إلى أن القرآن حدث فيه تحريف، و أنه من المُمكن أن تكون سقطت منه بعض الآيات. فهي قد حكمت على نفسها بالتهافت والبطلان. فيكون زعمها هذا كافٍ وحده لأبطالها. لأنه مخالف لقطعيات الشرع من أن الله تعالى قد تولى حفظ كتابه، وانه كتاب مُحكم لا يأتيه الباطل أبدا، لقوله سبحانه: (( الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود: 1) ،و (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:

(1) البخاري: الصحيح، ج 6، ص: 183، رقم: 4987.

(2) سنعود إلى هذا الموضوع و نحققه، فيما يأتي من هذا الفصل إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت