الصفحة 76 من 593

أو تقصير، أثناء توحيد المصاحف، وإنما نصت على أن العملية تمت بطريقة علمية جماعية تحت إشراف خليفة المسلمين عثمان بن عفان- رضي الله عنه-. فكوّن لجنة مُتخصصة، وطلب المصحف البكري الإمام من أم المؤمنين حفصة، فكان هو الأصل والمنطلق الذي نُسخت منه المصاحف. فلما تمت العملية وُزعت المصاحف على الأقاليم [1] . و الدليل القطعي على بطلان زعم تلك الرواية، وعلى عدم حدوث أي خطأ ولا خلل في عملية التدوين و التوحيد للقراءات، هو أن عبارة"تَسْتَانِسُوا"التي وردت في القراءات الصحيحة، كان ابن عباس أحد رواتها [2] ، وهي من القراءات التي اعتمدها المصحف العثماني. فكيف تزعم تلك الرواية، بأنه- أي ابن عباس- أنكر تلك العبارة؟؟.

والشاهد الثاني مضمونه أن تلك الرواية زعمت أن في القرآن ما ليس منه، وسقط منه ما هو منه. بمعني أن القرآن حدث فيه تحريف، وهذا زعم باطل قطعا، لأن القرآن نفى عن نفسه من أن يدخله خلل أو تحريف، و نفى من أن يتمكن أحد من تحريفه. و بما أن هذه الرواية تضمنت القول بالتحريف، فهي باطلة من دون شك.

وبناء على ما ذكرناه يتبين منه أن هذه الرواية- الرابعة- هي رواية مذهبية مغرضة مدسوسة طعنت في القرآن والصحابة بطريقة ماكرة، بدعوى أن كاتب القرآن أخطأ في كتابة كلمة من كلماته. فلم تقل: إنه تعمد ذلك، فلو قالته لانكشف أمرها، وإنما قالت: أخطأ، لأن الخطأ من طبيعة الإنسان، ولا يُتهم به، ولا يُطعن به في فاعله، مع أن النتيجة واحدة في النهاية. لكنها قالت: أخطأ، لأن هذا بالنسبة إليها أمكر، وأحوط، و أسلم، و أخبث، و أحرى بالقبول. فكانت غايتها من ذلك رد الخبر الصحيح و تشكيك الناس فيه، والطعن في القرآن الكريم و الصحابة - رضي الله عنهم -.

و أما الرواية الخامسة فمفادها أن أبا بكر بن أبي داود قال: (( حدثنا عبد الله قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح قال:"لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف، جمع له اثني عشر رجلا من قريش"

(1) البخاري: الصحيح، ج 6، ص: 183، رقم: 4987.

(2) أنظر مثلا: السيد بن أحمد بن عبد الرحيم: أسانيد القراء العشرة: المرحلة الأولي، ص: 14، 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت