والطريق الأخير- الرابع: (( حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا معاذ بن سليمان، عن جعفر بن إياس، عن سعيد، عن ابن عباس(حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) قال: أخطأ الكاتب، وكان ابن عباس يقرأ"حَتَّى تَسْتَاذِنُوا وَتُسَلِّمُوا"وكان يقرؤها على قراءة أُبيّ بن كعب )) [1] .
واضح من هذه الطرق أن الرواية نصت صراحة على أن كاتب المصحف- عندما وحده عثمان بن عفان- أخطأ في كتابته لعبارة"تَسْتَانِسُوا"، فكتبها بدلا من أن يكتب كلمة"تَسْتَاذِنُوا".وهذا يعني أن القرآن الكريم حدث فيه تحريف - بغض النظر عن نوايا الكاتب-، فأُدخل فيه ما ليس منه، وأُسقط منه ما هو منه. كما أن هذا الزعم فتح باب الشك على مصراعيه، فقد تكون حدثت أخطاء أخرى بنفس الطريقة ولم ينتبه إليها الكاتب. والنتيجة هي أن القرآن قد حدث فيه تحريف، فهل هذا الزعم صحيح؟؟!!.
كلا، إنه زعم باطل، لأن الرواية التي ذكرته لم تصح إسنادا ولا متنا. فمن جهة الإسناد فإن إسناد الطريق الأول غير صحيح، لأن من رجاله: هشيم بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي (105 - 183 هـ) ، سبق تفصيل حالهع، وتبين انه كثير التدليس،، وبما أن خبره هذا في متنه ما يُنكر [2] ، و هنا قد عنعن، فالإسناد لا من جهته من جهته.
والثاني: أبو بشر جعفر بن إياس بن أبي وحشية اليشكري الواسطي البصؤري الأصل (ت 125هـ) ، قيل فيه: ثقة، له غرائب، ضعفه شعبة في بعض الرواة لأنه روى عنهم و لم يسمع منهم [3] . و هذا يعني أنه كان يُدلس. وقال الواقدي: (( كان من أهل واسط، وأصله شامي، وكان علويا ) ) [4] . وجعله الشيعة الإمامية من رجالهم [5] . و بما هذا الراوي جعله الشيعة الإمامية منهم، و كان يُدلس، فتحديثه عن رواة لم يسمع منهم شاهد قوي على تشيعه و ممارسته للتقية، وهو هنا قد عنعن عن سعيد بن جبير ولم يُصرّح بالسماع، فالإسناد لم يثبت اتصاله بينمها، و عليه فهو في حكم المنقطع.
(1) الطبري: تفسير الطبري، ج 19، ص: 146.
(2) سنبين ذلك عندما ننقد المتن قريبا.
(3) ابن حجر: تهذيب التهذيب، رقم: 129، ج 1 ص: 56. و الذهبي: الميزان، ج 1 ص: 232.
(4) المزي: تهذيب الكمال، رقم: 932، ج 5 ص: 9.
(5) محمد الأردبيلي: جامع الرواة، ج 1 ص: 345. و اأبو جعفر الطوسي: رجال الطوسي، رقم: 1090، ج 1 ص: 177. و علي البروجردي: طرائف المقال، رقم: 7081، ج 3 ص: 61.