الصفحة 72 من 593

فالخبر لا يصح إسناده بسبب هؤلاء المجروحين، ولأنه مُنقطع أيضا بين النخعي وعثمان، فهو لم يلحق به، والرجل الذي روى عنه مجهول.

وأما متنا فالرواية لا تصح بدليل الشواهد الآتية: أولها مفاده أن الرواية الصحيحة المتعلقة بتوحيد المصاحف تُخالف ما زعمته تلك الرواية، ونصت على خلاف ما ادعته. وتفصيل الخبر، قال البخاري: (( حدثنا موسى، حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان -وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق- فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا. حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق ) ) [1] .

واضح من ذلك أن عملية توحيد المصاحف تمت بطريقة علمية جماعية، فلما أتمت الجماعة عملها من دون نقص أرسلت المصاحف جميعها في وقت واحد إلى أقاليم الخلافة الإسلامية. فأين ما زعمته الرواية السابقة؟؟.

والشاهد الثاني مضمونه أن القراءات الصحيحة المروية عن أهل العراق من الكوفيين وغيرهم، كقراءة ابن مسعود، هي من بين القراءات الصحيحة المتواترة، ولا تختلف عن القراءات الصحيحة الأخرى المروية عن أهل المدينة والشام و البصرة من جهة مكانتها و مضمونها. فهي في نفس المرتبة مع القراءات الأخرى، ولا توصف بأنها ناقصة، ولا أنها أقل مكانة منها، ولا أنها أرسلت إلى أهل العراق قبل أن تُصحح تصحيحا كاملا [2] .

(1) البخاري: الصحيح، ج 6، ص: 183، رقم: 4987.

(2) أنظر مثلا: السيد بن أحمد بن عبد الرحيم: أسانيد القراء العشرة: المرحلة الأولي، ط2، دار الصحابة طنطا، مصر، 2006.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت