حاله لا تُقبل روايته أيضا، يبقى حاله معلقا، حتى يتم التأكد من حاله، ولا تُقبل رواياته إلا إذا صحت من طرق أخرى، لأن المنطق يقول: إذا دخل الاحتمال سقط الاستدلال.
وأما إسناد الطريق الأخير- الثالث- فهو أيضا لم يصح، لأن من رجاله: إسماعيل بن أبي كريمة الحراني (ت 240هـ) ،و زيد بن أبي أنيسة الكوفي ثم الجزري (91 - 125هـ) ، و أبو إسحاق السبيعي. الأول روى خبره هذا عن محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي الحراني (ت 191هـ) ، وقد حدث عنه بعجائب [1] . والثاني ثقة، لكن في حديثه بعض النكارة [2] . والثالث سبق بيان حاله، بأن توثيقه لم يثبت، فلا نعيده هنا.
فالرواية الثانية لم تصح إسنادا ولا متنا، وتبين أنها رواية مذهبية مغرضة موجهة أساسا لرد الخبر الصحيح المتعلق بتاريخ القرآن الكريم: جمعا و قراءة.
وأما الرواية الثالثة- من روايات جمع المصحف و توحيده- فرواها أبو بكر بن أبي داود: (( حدثنا عبد الله، قال: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال:"قال رجل من أهل الشام: مصحفنا ومصحف أهل البصرة أحفظ من مصحف أهل الكوفة قال: قلت: لِمَ؟ قال: إن عثمان - رضي الله عنه- لما كتب المصاحف بلغه قراءة أهل الكوفة على حرف عبد الله، فبعث به إليهم قبل أن يعرض، وعرض مصحفنا ومصحف أهل البصرة قبل أن يبعث به"... ) ) [3] .
واضح من ذلك أن هذه الرواية تتضمن الطعن في القرآن الكريم، بالنقص، وأنه لم يكن واحدا عند جميع المسلمين، وأن مصحف أهل العراق كان ناقضا. فهو مُصحف تعرض للتحريف عن تعمد عندما أُنقص منه، ولم يتم التحقق مما فيه بطريقة كاملة. كما أنه تضمن الطعن في الصحابة الذين تولوا توحيد المصحف، فلم يكونوا في المستوى المطلوب: أمانة ولا كفاءة، ولا حرصا، ولا كانوا في مستوى المسؤولية التي كُلفوا بها!!!.
(1) ابن حجر: تهذيب الكمال، ج 12 ص: 214.
(2) الذهبي: المغني في الضعفاء، ص: 245.
(3) ابن أبي داود: المصاحف، ص: - 239 - 240.