ومنها (( عن أبي إسحاق السبيعي، عن بشير الغفاري، عن أنس بن مالك قال: كنت خادم رسول الله- صلى الله عليه واله- فلما كانت ليلة أم حبيبة بنت أبي سفيان، أتيت رسول الله- صلى الله عليه وآله- بوضوء فقال لي:"يا أنس ابن مالك، يدخل عليك من هذا الباب الساعة أمير المؤمنين وخير الوصيين، أقدم الناس سلما، وأكثرهم علما، وأرجحهم حلما فقلت: اللهم اجعله من قومي. قال: فلم ألبث أن دخل علي بن أبي طالب عليه السلام من الباب ورسول الله- صلى الله عليه واله- يتوضأ، فرد رسول الله -صلى الله عليه وآله- الماء على وجه علي عليه السلام حتى امتلأت عيناه منه، فقال علي:"يا رسول الله، أحدث في حدث؟"فقال له النبي- صلى الله عليه وآله-:(ما حدث فيك إلا خير، أنت مني وأنا منك، تؤدي عني وتفي بذمتي، وتغسلني وتواريني في لحدي، وتسمع الناس عني وتبين لهم من بعدي". فقال علي عليه السلام:"يا رسول الله، أوما بلغت؟ قال: بلى، ولكن تبين لهم ما يختلفون فيه من بعدي") ) [1] .
وأشير هنا إلى أن السبيعي كان كثير التدليس، ومارس أشر أنواعه، فكان يُسقط الراوي الضعيف بينه وبين الثقة. وهذا تضليل و كذب عن تعمد في الكذب على الله ورسوله والمؤمنين، بل على الناس عامة. فمن ذلك أنه روى خبرا عن الحارث بن الأزمع عن عمر، وأسقط راويين بينه وبين الحارث بن الأزمع، هما: مجالد بن سعيد عن الشعبي [2] . و مجالد هذا ضعيف، ليس بشيء [3] .
فالسبيعي ينطبق عليه الحكم الذي ذكرناه سابقا، والمتعلق بالمدلسين الذين يتعمدون إسقاط الضعفاء بينهم وبين الثقات. فهو حكم ينطبق عليه كما انطبق على حفيده إسرائيل بن يونس.
و خلاصة حاله: إن هذا الرجل مجروح في عدالته وضبطه، فهو ضعيف، ولا تُقبل روايته من جهته. فعدالته لم تثبت، وجرحه لم يُرفع. وإن قيل: بل تضعيفه لم يثبت أيضا. قيل: كذلك توثيقه لم يثبت. ومن هذا
(1) المفيد: الإرشاد، دار المفيد ج 1، ص: 99. علما بأن كل روايات الشيعة المتعلقة بالوصية لعلي و أولاده، هي روايات مكذوبة قطعا، لأنها تخالف القرآن الذي حسم أمر الخلافة حسما عندما جعله شورى بين المسلمين. و عندما مات النبي -عليه الصلاة و السلام -، و اختلف الصحابة من بعده حول من يتولى الخلافة من بعده، دل هذا على أنه-عليه الصلاة و السلام- لم يوص بالخلافة لأحد من بعده. و أن الصحابة لم يختلفوا في: هل الخلافة بالاختيار أم بالوصية؟، و إنما اختلفوا في: من يتولاها منهم بلشورى لا بالوصية و لا بالتوريث. فأمر الخلافة كان محسوما عندهم بأنه بالشورى لا بالوصية، و لا هي خاصة بفرد، و لا بآل البيت، و لا بغيرهم.
(2) البيهقي: السنن الصغرى، ج 2 ص: 437، رقم:3343.
(3) ابن حجر: تهذيب، ج 9 ص: 29.