الصفحة 66 من 593

الكذاب. فكما كذب في التدليس بالعنعنة، فهو قد يكذب أيضا في التحديث بالسماع. وهذا المبدأ ينطبق على إسرائيل و أمثاله من المدلسين. ولا يصح أن يُقال: إنه كان كذابا في التدليس، ولم يكن كذابا في التحديث بالسماع!!!. فهذا تبرير مرفوض، لأن الكذاب هو الكذاب ويتلون حسب هواه.

وإسرائيل هذا قد عده الشيعة الإمامية من رجالهم [1] ، و من أصحاب بعض أئمتهم [2] . لكن يبدو أن حاله قد التبس على أكثر أهل الحديث، فقد كان شيعيا يُمارس التقية، بما كان يتظاهر به من كثرة الخشوع والصلاح [3] . فهذا التباين في مواقف المحدثين من الرجل بين الترك والتضعيف من جهة، والتوثيق والثناء والدفاع عنه من جهة أخرى هو شاهد قوي على أن الرجل كانت أحواله متناقضة، وهي من مظاهر ممارسته للتقية بينهم، بحكم أنه كان شيعيا إماميا. فالرجل لم يثبت توثيقه، وقد كان يُدلس، وهنا قد عنعن عن جده أبي إسحاق. فالإسناد لا يصح من جهته.

وأما إسناد الطريق الثاني، فهو أيضا لا يصح، لأن من رجاله من لم يثبت توثيقه، هو: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن عبيد السبيعي (ت 126 هـ) : وثقه أكثر نقاد أهل الحديث، كأحمد بن حنبل، ويحي بن معي [4] ، لكن تكلم فيه بعضهم وطعن فيه، وهو كثير التدليس والإرسال [5] . فقال فيه عبد الله بن المبارك: (( إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، و الأعمش ) )،وقال مغيرة بن مقسم: (( أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق، و أُعيمشكم ) ) [6] . واتهمه أبو حصين عثمان بن عاصم (ت 127هجرية) بأنه هو الذي جاء بحديث (( من كنت مولاه فعلي مولاه ) )، فقال: (( ما سمعنا هذا الحديث حتى جاء هذا من خراسان فنعق به ... فاتبعه على ذلك ناس ) ) [7] . وكان أيضا مُتشيعا، و عدّه ابن قتيبة من رجال الشيعة [8] .

ومن مظاهر تدليسه وتلاعبه أنه حدث عن أقوام لم يسمع منهم، وآخرين لم يثبت سماعه منهم. فأنكر عليه ذلك أئمة أهل الحديث، فمن ذلك قولهم: (( قال أحمد بن حنبل: لم يسمع من سراقة بن مالك. وقال بن المديني: لم

(1) أبو جعفر الطوسي: جال الطوسي، مؤسسة النشر لجماعة المدرسين، قم إيران، 1415، قم: 203، ج ص: 267.

(2) عبد الحسين الشبستري: أصحاب الإمام جعفر الصادق، مؤسسة النشر لجماعة المدرسين، قم إيران، 1418، ج 1 ص: 151.

(3) الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 7 ص: 357، 35.

(4) المزي: تهذيب الكمال، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1980، ج 22، ص: 110.

(5) ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 7 ص: 46، 47. و الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 5 ص: 398.

(6) هناك من وثقه، لكن الجرح أسبق من التعديل، و لأن الحديث متفق معه تشيعه. أنظر الذهبي: ميزان الاعتدال، ج 3 ص: 189.

(7) البخاري: التاريخ الكبير، ج 6 ص: 83.

(8) ابن قتيبة: المعارف، ص: 346.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت