الناحية الأولى: أن يجمعوا على تفسير، فإذا أجمعوا على تفسير لم يحلَّ لأحد من بعدهم أن يخالفهم في التفسير، لم؟ لأنه لا يمكن أن يحجب الصواب في التفسير عن الصحابة ثم يُدركه من بعده؛ لأن العلم بالقرآن لابد أن يكون موجودا في كل طبقة من طبقات الأمة، فإذا كان الصحابة أجمعوا على أنّ تفسير الآية كذا، ثم حدث خلاف بعد ذلك في زمن التابعين، أو بعد ذلك فنعلم أنه خلاف بعد انعقاد الإجماع، ومعنى هذا الخلاف أنّ هذا القول إذا قلنا بصوابه فإنه يعني أن الصحابة لم يعرفوا هذا القول، ومعنى ذلك أن جملة الصحابة لم يدركوا التفسير الصحيح لهذه الآية، وهذا لاشك أنه ظن سوء في خيرة خلق الله بعد رسله وهم صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهذه الدرجة الأولى أو الناحية الأولى.
الثانية أن يختلف الصحابة في التفسير، فإذا اختلفوا في التفسير فيكون القول لمن؟ هنا ننظر إلى تفاسير الصحابة، فإذا وجدنا أن التفاسير متفقة في الدِّلالة لكن مختلفة في اللفظ فنحمل بعضها على بعض.
مثلا في تفسير قوله تعالى {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة:6] ، فسرها بعضهم الصراط المستقيم هو القرآن، وفسرها بعضهم بالسنة، الصراط المستقيم محمد عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، الصراط المستقيم الإسلام، هذه كلها وإن اختلفت مجالها واحد؛ لأن من استمسك بالإسلام فقد استمسك بالقرآن، ومن استمسك بالقرآن فقد استمسك بالسنة، وهكذا.
فإذن تارة يختلف الصحابة في التفسير؛ لكن الناظر فيه يحمل بعض التفاسير على بعض، وهذه على القاعدة المعروفة عند أهل العم في التفسير أنه يُحمل كثير من اختلاف الصحابة بل الأكثر على اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد؛ يعني أنها تنوعت عباراتهم ومرادهم شيء واحد، بعضها يؤول إلى بعض لا خلاف بينهم في ذلك.