وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: (ثم يفشوا الكذب) يقتضي أن الكذب كان موجودًا في القرون الفاضلة لكنه غيرُ فاشٍ ولا كثير ، ويؤيد ذلك أن ابن عباس ( توقف عن قبول مراسيل بشير بن كعب وغيره ، وَعَلَّلَ ذلك بظهور الكذب بين الناس ، وهذا في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين فكيف بمن بعدهم ، وبه يُعلم أن أول من قام برد المرسل ابن عباس (.
وقد قال عروة بن الزبير- رضي الله عنه: (إني لأسمع الحديث أستحسنه ، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به ، وذلك أني اسمعه من الرجل لا أثق به قد حَدَّثَ به عمن أثق به ، أو أسمعه من رجل أثق به قد حَدَّثّ به عَمَّنْ لا أثق به فلا أُحَدَّثُ به) .
قال ابن عبد البر في (التمهيد 1/38و39) : (وفي خبر عروة هذا دليل على أَنَّ ذلك الزمان كان يحدث فيه الثقة وغير الثقة) .
(مناقشة) : وأما دعوى الإجماع فَإِنَّها دعوى غير مُسَلَّمة إلا في عصر الصحابة زمن النبوة وبعدها بيسير ، حيث لم يخالط الصحابة غيرهم ، وذلك لا يرد على من لم يحتج بالمرسَل . لما تقدم من آن مرسلَ الصحابي مقبول سواء كان صغيرًا أو كبيرًا عند جمهور العلماء ، ولم يخالف في ذلك إلا الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وطائفة يسيرة ، وقولهم مردود لما تقرر من عدالة الصحابة جميعًا ، ولأن من يرسل الحديث منهم فإنما يرسله عن مثله ، كما قال البراء - رضي الله عنه: (ليس كلنا سمع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كانت لنا ضيعة وأشغال ، وكان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهد الغائب) .
وكذا قال أنس بن مالك - رضي الله عنه: (ليس كلَّ ما نحدثكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعناه منه ، ولكن حثنا أصحابنا ونحن قوم لا يكذب بعضهم بعضًا) .