اختلف السادة المحدِّثون في قبول الحديث المرسل أو ردِّه ، وتعددت أقوالهم فيه ، ويرجع حاصلها إلى ثلاثة أقوال جامعة ، يتفرع عن كل واحدٍ منها أقوال ومذاهب لهم ، وسأسوق هذه الأقوال أولًا ، ثم أورد ما وقفت عليه من أدلة كل فريق ، وما يتبع ذلك من مناقشات واعتراضات وردود ، مقسَّمة على ثلاثة مباحث ، لكل فريق وأدلته والاعتراض عليها ومناقشتها والردود عليها مبحث مستقل ، مختصرةً غالبًا من كلام الإمام العلائي في (جامع التحصيل: ص77 وما بعدها) ، مقتصرةً على الأدلة النقلية لكل فريق ، على ما يلي:
المبحث الأول: ذِكْرُ الفريق الذي قام بقبول الحديث المرسل ، وإيراد أدلتهم ومناقشتها.
ولهم فيه خمسة أقوال:
(الأول) : القبول مطلقًا في جميع الأعصار والأمصار.
وهذا القول ذهب إليه بعض متأخري الحنفية.
واختاره الآمدي في (الإحكام 2/113و118) من الشافعية ، والقاضي أبو يعلى في (العدة 3/917) من الحنابلة.
(الثاني) : قبول مراسيل أهل القرون الثلاثة الفاضلة دون من بعدهم.
وهو اختيار أكثر الحنفية ، نقله العلائي عنهم في (جامع التحصيل: ص48) ، والحافظ ابن حجر في (النكت: ص551) .
(الثالث) : قبول مراسيل التابعين وأتباعهم مطلقًا ، إلا أن يكون المُرْسِل عُرِفَ بالإرسال عن غير الثقات فإنه لا يُقبل مُرْسَله ، وأما بعد العصر الثالث فإن كان المُرْسِل من أئمة النقل قُبِلَ مُرْسَله وإلا فلا.
وهو قول أبي حنيفة ، وعيسى بن أبان ، واختيار أبي بكر الرازي (الجصَّاص) ، والبزدوي ، وغالب متأخري الحنفية.
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: (هذا هو الظاهر من المذهب عندي) .
وكل ذلك نقله العلائي في (جامع التحصيل: ص27و28) .
وهنا نعقِّب على أن الظاهر مما نقله العلماء عن أبي حنيفة ومالك رحمهما الله هو قبول:: مراسيل التابعين وأتباعهم مطلقًا:: ، والمعلوم أن الحنفية والمالكية أكثر الناس توسعًا في قبول المراسيل ، وعليه فالحق نقول:-