إذا نظرت إلى صنيع اليهود مثلا في الزمن الأول، ونظرت ما عملوه في عهد عثمان رضي الله عنه على يدي عبد الله بن سبأ اليهودي المعروف، وعبد الله بن سبأ تاريخيا ثابت وجودُه رغم محاولة طوائف من الباحثين أن يجعلوا وجوده من الخيال، وأنه لا حقيقة له، فوجوده ثابت من أهل السنة لأن الأسانيد فيما فعل ثابتة عن الصحابة وعن التابعين فيما كان يفعله عبد الله بن سبأ وما شتت به الأمة وما أحدث به من الفتن، فإن ظهور الخوارج كان بسبب اليهود.
لهذا نقول إنه في الزمن الأول لم يحصل غلو في الأمة، ولم يحصل فُرقة في الأمة إلا بسبب اليهود في الزمن الأول، وكذلك في هذا الزمن الحاضر لم يظهر الغلو على ما هو معروف في هذا الزمن، في فرق وجماعات مختلفة، لم يظهر الغلو إلا بعد وجود اليهود في المنطقة -يعني في منطقة أهل الإسلام وجودهم في فلسطين- لما وجدوا وجد الغلو في الجماعات ومختلفة، فطائفة غلت لأن وجود هؤلاء سبب الغلو؛ لأنه ليس لكل أحد المقدرة أن يتعامل مع الأعداء على وفق الحكم الشرعي، فلهذا ظهر في الزمن الأول الخوارج؛ لأنهم لم يحتكموا إلى قول الصحابة، فغلوا بسبب اليهود، وظهر في هذا الزمن طوائف ممن غلا وزاد عما يجوز شرعا؛ وذلك بسبب وجود اليهود في الأمة.
المقصود من ذلك أن اليهود في خططهم الأولى كان لها الأثر في الأمة في تفرقتها وفي إضعافها وفي قوة أعدائها عليها، وكذلك ما ظهر في هذا الزمن.
كذلك النصارى، النصارى مهما حصل بينهم وبين أهل الإسلام من الهدنة ومن عدم القتال فإنهم أعداء، وإن عداوتهم، باقية لما وجدوا الفرصة سانحة لهم أقاموا الحروب الصليبية في ما تعلمون في عقود من الزمن، وقتلوا من أهل الإيمان ما قتلوا ثم لما ظهرت الكرة مرة أخرى عاودوها بالاستعمار المبطن بالاستعمال الاقتصادي وهو استعمار سياسي بل هو استعمار ديني.