وهناك أقوال أخرى-لعلماء الملة-تنادي بضرورة الرجوع إلى الكتاب والسنة، وصفاء الشريعة أعرضنا عنها اختصارًا.
فلما ألحَّ عليّ أستاذي وزوجي بطبعها في رسالة مفردة. قمت بمراجعتها وتدعيمها وتطعيمها بالأدلة الصحيحة معزوة إلى مصادرها الأصلية، وأقوال الأئمة مع عزوها لأصحابها أيضًا، ولا ندعي الاستقصاء والعصمة من الخطأ، ولكن نريد فقهًا متزنًا رزينًا قويًا معقولًا ثابتًا وصحيحًا بعيدًا عن الشذوذ الفقهي الناجم عن النص الضعيف أو: الموضوع، أو: الناجم عن نص صحيح وفهم قبيح، وأيضًا النظر إلى متن حديث واحد وإهمال آخر يورث فقهًا شاذًا منبوذًا مزيفًا، قد يصبح من نوادر المسائل والألغاز-مع ما فيها من مصادمات ومخالفات للسنة في بعض الأحيان-وهناك نماذج أخرى من الفروع الفقهية المرجوحة أعرضنا عنها اكتفاءً بالراجح، وإن كان لا تثريب على من قلد مذهبًا ما في المرجوح، (وقد نرى لكل عالم وجهته واستدلالاته، وإن كانت بعض الوجهات أرجح من بعض، وبعض الاستدلالات أقوى من الأخرى ... فلا ينبغي لشخص رأى رأيًا أن يبالغ في التشنيع على من رأى الرأي الآخر، وإنما له أن يوضح رأيه بأدلته، وينتصر له بالحق والعدل والإنصاف، مع البعد عن الهوى والتقليد والعصبية [1] لأن هناك (جملة من المسائل يسع المسلمين فيها الخلاف [2] إذ تتعدد آراء العلماء فيها، وكل قول ورأي من هذه الآراء والأقوال مستند إلى دليل صحيح، أو: إلى أصل عام، وإلى قياس جليٍّ واضح، ففي مثل هذه المسائل، وإن استظهرنا رأيًا من الآراء؛ ورأيناه الأصح والأقرب، فلا ينبغي أن يناصب الآخرون العداء، ولا أن يوصفوا بالابتداع، ويوسموا
(1) -انظر: (مفاتيح الفقه في الدين) (ص:107) . لمصطفى العدوي.
(2) -والأمثلة في السنة كثيرة في خلاف التنوع وخلاف الأفهام، فلا يبدع ويقاطع عليهما المخالف. وتوقير أهل العلم وإجلالهم واحترامهم والتأدب معهم واجب وفرض على طلبة العلم تجاه شيوخهم الصالحين، مع العلم (أن كلاًّ يؤخذ من قوله ويرد حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم)