أقول: قد عرفت أن مراد المانعين للنداء ليس مطلق النداء بل النداء الحقيقي الذي يقصد به من المنادى ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب النفع وكشف الضر، ولا مرية في أنه عبادة، وكونه عبادة وممنوعًا لا يقتضي كون كل نداء ممنوعًا، حتى يلزم منه عدم جواز نداء الأحياء فيما يقدرون عليه.
قوله: وإنما النداء الذي يكون عبادة هو نداء من يعتقد ألوهيته واستحقاقه للعبادة فيرغبون إليه ويخضعون بين يديه.
أقول: لا ريب في أن من ينادي أحدًا نداء حقيقيًا ويقصد به من المنادى ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب النفع وكشف الضر فهو يعتقد استحقاقه العبادة1 وإلا لم يصدر منه هذا النداء الذي هو الدعاء وهو من أفراد العبادة، على أن مطلق ارتكاب فعل أو قول أو عمل مما يعد من العبادة هو العبادة ولا يتوقف كونه عبادة على اعتقاد ألوهيته، ومن يدعى ذلك فعليه البيان.
قوله: فالذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد ألوهية غير الله أو اعتقاد التأثير لغير الله تعالى.
1 تحرير الموضوع أن الدعاء قسمان: دعاء العبادة، ودعاء العادة، فالثاني ما يطلبه الناس بعضهم من بعض مما يقدرون عليه بالأسباب التي سخرها الله لهم، ودعاء العبادة هو طلب ما رواء الأسباب مما لا يقدر عليه إلا رب العباد. والإله في اللغة هو المعبود بالدعاء الذي هو مخ العبادة والفرد الكامل منها أو بغيره مما يتقرب به إلى المعبود من نذر وتعظيم قولي أو عملي باعثه اعتقاد القدرة الغيبية على النفع ومنعه والضر وكشفه من غير طريق الأسباب بالذات أو بالتأثير عند الله، وكانت عبادة قريش لآلهتهم من النوع الثاني وهي دعاؤهم ليشفعوا لهم عند الله ويقربوهم إليه زلفى كما هو صريح نصوص القرآن. ودحلان وأمثاله من متأولة الشرك يجهلون معنى العبادة والألوهية ولا يفرقون بين اتخاذ المخلوق إلهًا بدعائه والنذر له ونحو ذلك وبين تسميته إلها، فيظنون أن الشرك هو تسمية المخلوق إلهًا، فإذا عبده بالدعاء وغيره ولم يسمه إلهًا لا يكون مشركًا، وإذا سمى العبادة توسلًا لا تكون عبادة، والعرب كانوا يسمون هذه المعاني بأسمائها لأن اللغة سليقة لهم، وقد فصلنا هذا مرارًا في المنار وتفسيره، وكبته محمد رشيد رضا.