المطابقة والتضمن والالتزام على التوسل المذكور، ولو كان مقصود هذا القائل التوسل المحض إلى الله كما زعم صاحب الرسالة لكان حقًا عليه أن يقول: اللهم صلي على محمد واجعلنا في شفاعته يوم القيامة، أو نحوه، وبالجملة فالتأويل الذي ذكره صاحب الرسالة باطل لا يغني عن شيء.
قوله: ومما يعتقده هؤلاء المنكرون للزيارة والتوسل منع النداء للميت والجماد، ويقولون إن ذلك كفر وإشراك وعبادة لغير الله تعالى.
أقول: المانعون لنداء الميت والجماد وكذا الغائب إنما يمنعونه بشرطين:
(الأول) : أن يكون النداء حقيقيًا لا مجازيًا.
و (الثاني) : أن يقصد ويطلب به من المنادى ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب النفع وكشف الضر. مثلًا يقال: يا سيدي فلان اشف مريضي وارزقني ولدًا، ولا مرية أن هذا النداء هو الدعاء، والدعاء هو العبادة، فكيف يشك مسلم في كونه كفرًا وإشراكًا وعبادة لغير الله؟ وأما إذا قصد بهذا النداء أن يدعو الميت والجماد والغائب في حضرة الرب تعالى للمنادين (بالكسر) فنداء الميت بعيدًا عن القبر وكذا نداء الغائب يقتضي اعتقاد علم الغيب بذلك الميت والغائب، واعتقاد علم الغيب لغير الله تعالى شرك وكفر مع أنه من محدثات الأمور، وأما نداء الجماد والأموات بهذا القصد فإن لم يكن كفرًا وشركًا فلا أقل من أن يكون بدعة وحمقًا، وأما إذا لم يقصد بالنداء لا جلب النفع وكشف الضر ولا الدعاء من المنادين (بالفتح) للمنادين (بالكسر) في حضرة الرب سبحانه وتعالى فيكون النداء الحقيقي جنونًا وسفهًا، وأما النداء المجازي فلا يمنعه أحد.
قوله: وحاصل الرد عليهم أن النداء قد يسمي دعاء كما في قوله تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} لكنه لا يسمى عبادة، فليس لك دعاء عبادة، ولو كان كل نداء وكل دعاء عبادة لشمل ذلك نداء الأحياء والأموات فيكون كل نداء ممنوعًا مطلقًا سواء كان للأحياء والأموات أم للحيوانات والجمادات وليس الأمر كذلك.