التولية، وسنذكر هنا بعض هذه النقول الدالة على ذلك مع توضيحها والرد عليها؛ لنستخلص حقيقة مذهب الحنفية.
قال الباجي المالكي في"المنتقى" [1] :"فأما اعتبار الذكورة فحكى القاضي أبو محمد وغيره أنه مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز أن تلي المرأة القضاء في الأموال دون القصاص، وقال محمد بن الحسن ومحمد بن جرير الطبري: يجوز أن تكون المرأة قاضية على كل حال"؛ انتهى.
وهذا تجوُّز واضح في نقل المذهب الحنفي، وعدم الدقة في التعبير عن حقيقته حيث قال:"يجوز أن تلي المرأة القضاء"؛ انتهى.
والحق أن الحنفية لا يرون ذلك كما قدمنا، بل يأثم عندهم من يوليها القضاء، ولو كان جائزًا عندهم لما صرحوا بتأثيم موليها.
وقال الماوردي الشافعي:"وقال أبو حنيفة: يجوز أن تقضي المرأة فيما تصح فيه شهادتها، ولا يجوز أن تقضي فيما لا تصح فيه شهادتها" [2] ؛ انتهى.
وعلى هذا القول نفس الملاحظة التي ذكرناها على القول السابق.
وقال ابن حجر في"الفتح" [3] :"وقدِ اتَّفَقُوا على اشْتِراط الذكورة في القاضي إلا عن الحنفيَّة، واستثنوا الحدود، وأطْلق ابن جرير ويؤيد ما قاله الجمهور أن القضاء يحتاج إلى الرأي، ورأي المرأة ناقص، ولا كمال سيما في محافل الرجال"؛ انتهى.
ولنا على هذا القول نفس الملاحظة السابقة، فقد نفى ابن حجر عن الحنفية اشتراط الذكورة في القاضي مطلقًا، وهذا خلاف مذهب الحنفية، فقد اشترطوا الذكورة في التولية دون إمضاء القضاء.
(1) "المنتقى" (5/ 181) .
(2) "الأحكام السلطانية" (ص 83) .
(3) "فتح الباري" (13/ 146 - 147) .