وقد أجيب عن المناقشة:
بمنع إمكانية تحقق الإجماع، وذلك بعد بذل الجهد في البحث، والتحرِّي عن المخالف لرأي الجمهور - لم نعثرْ إلا على قول بالجواز منسوب إلى ابن جرير، وسوف تأتي مناقشة هذا القول في محله.
الرد على هذه الإجابة:
يمكن الرد على هذه الإجابة من وجوه:
الأول: من الممكن الرد على هذه الإجابة بأنه قد نُقل عن الحسن البصري: أنه قال بجواز تولي المرأة القضاء مطلقًا [1] .
وقد ثبت عن عدد من كبار علماء المسلمين النقلُ عن ابن جرير الطبري، وهم موضع الثقة والاطمئنان، كما ثبت هذا القول عن ابن حزم، فابن حزم وابن جرير مسبوقان بقول الحسن البصري في جواز تولية المرأة القضاء.
الثاني: يجاب عن منع صحة الاستدلال بالإجماع لفعل السيدة عائشة: بأن السيدة عائشة لم تخرج زعيمة لثورة، ولا قائدة لجيش، إنما خرجت بتأثير عدد من الصحابة، وما كان قصدها من الخروج إلا الإصلاح، فلم تكن زعيمة لثورة؛ لأنه لم ينقل عن أحد من المؤرخين أن عائشة ومَن معها نازعوا عليًّا على الخلافة، وأما أنها لم تخرج قائدة لجيش؛ لأن الذين طلبوا منها الخروج كان مرادهم التوفيق بين الناس، وأن يزيلوا ما بينهم من أسباب الخلاف، ورأوا أن وجود السيدة عائشة معهم، هي أم المؤمنين أدعى إلى انضمام الناس إليهم.
يقول ابن العربي:"وأما خروجها إلى حرب الجمل، فما خرجت لحرب، ولكن تعلق الناس بها، وشكوا إليها ما صاروا إليه مِن عظيم الفتنة، وتهارج الناس، ورجوا ببركتها الإصلاح، وطمعوا في الاستحياء منها إذا وقفت إلى الخلق، وظنت هي ذلك، فخرجت مقتضية بالله في قوله: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] ، وبقوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] ".
ثم كان ما كان من الحرب والفتنة؛ بسبب دعاة الفتنة، ولو سلمنا جدلًا أنها خرجت قائدة الجيش، أو زعيمة لثورة، فإن هذا كان اجتهادًا منها، وقد ثبت رجوعها عنه، وخطَّأت نفسها فيما
(1) ينظر:"مواهب الجليل"، للحطاب، 6/ 87.