يقول الكردري من الحنفية:"تخصيص الشيء بالذِّكر لا يدل على نفي الحكم عمَّا عداه في خطابات الشارع" [1] .
ويقول ابن حزم الظاهري:"هذا القول الذي لا يجوز غيره، وتمام ذلك في قول أصحابنا الظاهريين: إن كل خطاب وكل قضية، فإنما تعطيك ما فيها، ولا تعطيك حكمًا في غيرها" [2] .
الوجه الثاني: أن تخصيص الرجل بالذِّكر، لا يفيد منع المرأة مِن تولي القضاء؛ لأنه قد جيء به لبيان الغالب، لا للتخصيص، ولأن خطابات الشارع، سواء خوطب بها الرجال، أو خوطب به النساء، فإن الجميع مخاطب بها؛ إلا إذا وجد قرينة تمنع دخول غير المذكور في الحكم، فيختص به، ولا قرينة هنا تمنع من دخول النساء، فالحديث عام في الرجال والنساء معًا، والحديث الذي معنا غاية ما يفيد - كما قال في"عون المعبود"- أنه لا ينجو من النار من القضاة إلا مَن عرَف الحق وعمِل به، فإن من عرف الحق ولم يعمل به، فهو ومَن حَكَمَ بجهلٍ سواء في النار، فلا يصلح الحديث للاحتجاج على عدم جواز تولية المرأة [3] .
رابعًا: مناقشة استدلال الجمهور بالإجماع: وأنه قام على منع المرأة مِن تولي القضاء - فنُوقش من عدة وجوه:
الوجه الأول: لا يمكن لنا أن نعلم يقينًا حدوث الإجماع، فربما وجد مخالف في ذلك العصر ولم تصلْنا هذه المخالفةُ، ومن أين لنا أن نعلم أن ابن جرير الطبري غير مسبوق إلى ما قاله؟! وعلى تسليم إمكانية تحقق الإجماع، فإن الإجماع هنا لا يصح الاستدلال به؛ لأنه لم يثبت إجماع على منع المرأة من تولي الولايات العامة؛ فقد ثبت: أن السيدة عائشة - رضي الله عنها - قد تولت قيادة جيش، وتزعمت الثورة ضد علي بن أبي طالب، ومعها من خيرة الصحابة أمثال: الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وغيرهما، ولم ينكروا عليها، فهذا دليل على عدم صحة دعوى الإجماع، وفي نفس الوقت دليل على جواز تولية المرأة القضاء؛ لأنه أقل خطرًا من قيادة الجيوش، وتزعم الثورات [4] .
(1) ينظر:"تيسير التحرير"، 1/ 101؛ لمحمد أمين، المعروف بأمير بادشاه، دار الفكر، بيروت.
(2) ينظر:"الإحكام في أصول الأحكام"، 7/ 887؛ لعلي بن محمد الظاهري، إشراف أحمد شاكر، مطبعة العاصمة - القاهرة.
(3) ينظر:"عون المعبود شرح سنن أبي داود"، 9/ 488؛ لمحمد شمس الحق العظيم آبادي، دار الفكر.
(4) ينظر:"النظام القضائي"، د. محمد رأفت عثمان، ص 136.