الأمر الثاني: أن الآية نازلة في الولاية الأُسرية؛ فنظم الآية وسياقها يدلَّان على ذلك؛ مِن ذلك قولُه - تعالى: {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34] يدل على النفقات والمهر، كما فيها إشارة إلى ما يجب للزوج على زوجته من طاعة وأمانة؛ وهو قوله - تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] ، وفيها إشارة أيضًا إلى السلطة المخولة للأزواج على زوجاتهم، وهو قوله - تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34] ؛ وعلى هذا فالآية في الولاية الأسرية، وليست في الولايات العامة.
الأمر الثالث: أن المرأة تصْلح لأنْ تكون وصية على اليتامى، وناظرة في مال الوقف، وهذا يدلُّ على صلاحية المرأة للولايات الخاصة؛ لأنها قادرة على أن تقوم بأمور هذه الولاية، فجاز إسنادها إليها، فالآية إذًا لا تفيد العموم؛ ومن هنا يجوز إسناد الولايات العامة إليها، ما دام مناط الحكم - وهو القدرة - متحققًا، ولا تأثير لعموم الولاية أو خصومها، بعد أن تتحقق علة الحكم، وهي قدرة المرأة على ممارسة الولاية، إلا أن الإجماع قام على عدم جواز تولي المرأةِ رئاسةَ الدولة وما هو بمثابتها، استنادًا إلى النص الوارد في رئاسة الدولة، المانع من تولي المرأة إياها، ولولا قيام الإجماع، لجاز تولية المرأة الولاياتِ العامةَ أيضًا.
الوجه الثاني:
لو سلَّمنا جدلًا أن الآية تفيد العموم، فإن الاستدلال بها لا يسلم؛ لأن الدليل يجب أن ينتج تمام الدعوى، أما هنا فقد أنتج أخص من الدعوى، وبيان ذلك: أن الدعوى هي أنه لا يجوز تولي المرأة القضاء مطلقًا، لا على الرجال، ولا على النساء، ولا على الصغار، والدليل هنا لا يدل إلا على منع توليتها على الرجال، أما الصغار والنساء، فلم يَرِد الدليل عليهم؛ وبهذا يكون الدليل غير منتج لتمام الدعوى، فلا يصح الاستدلال به [1] .
(1) ينظر: ما سبق في:"النظام القضائي"، د. محمد رأفت عثمان، ص 126 - 128، و"نظام القضاء الإسلامي"، د. إسماعيل إبراهيم البدوي، ص 205.