وهو في المرأة عاطفتها وضعف جسمها بالنسبة إلى الرجل بسبب ما يحدث لها على مرِّ الشهور والسنين من حيْض وحمل وولادة ونفاس ورضاعة.
ولذا صحح الأحنافُ قضاءها إذا وليتْ ولم يبطلوه، فقالوا: والمرأة تقضي (أي يجوز قضاؤها) في غير حد وقود وإن أثم موليها.
وذلك لأنه لم يقمْ دليل على عدم جواز تنفيذ حكمها إذا جاء موافقًا للشَّرْع، إلا إذا ثبت شرعًا سلب المرأة أهْليتها، ولا يوجد في الشرع ما يسلب المرأة أهْليتها، فلمْ يُصرح الشرع إلا بنقصان عقلها، وهذا لا يسوغ سلْب أهليتها بالكُلية، يؤيد هذا: أن المرأة تصلح شاهدة، وناظرة في الأوقاف، ووصية على اليتامى، ونقصان العقل الذي وصفت به إنما هو بالنسبة والإضافة، أي جنس النساء، وليس كل فرد فرد منهن، وهذا يعني أنه لا يعم النساء جميعا [1] .
مناقشة أدلة القول الثالث:
أولًا: يُمكن مُناقشة استدلالهم بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34] ، وأن الآية الكريمة حصرت القِوَامةَ في الرجل - فلا يصح تولية النساء؛ من وجهين:
الوجه الأول:
أن الآية الكريمة ليستْ في محل النزاع؛ لأن المراد منها القوامة الخاصة، وهي القوامة الأسرية التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه، حيث قال: «والرجل راعٍ في أهله، ومسؤول عن رعيته» ، وهي أن يطاع، ويستأذن، ويملك حق التأديب، وليس المراد هنا القوامة العامة التي تشمل القضاء وغيره.
والذي يدل على أن المراد بالقوامة هنا: القوامة على الأسرة - ثلاثةُ أمور:
الأمر الأول: سبب نزول الآية؛ فقد روي عن الحسن أنه قال: «جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي ضربني، قال: «بينكما القصاص» ، فأنزل الله ـ: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114] ، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنزل الله ـ: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} "."
إذًا؛ فسبب النزول يدل على أن الآية نزلتْ في الولاية الأُسرية، بقوامة الرجل على المرأة بالتأديب.
(1) ينظر:"الفصول في علم الأصول" (2/ 169 - 171) ، و"كشف الأسرار شرح أصول البزدوي" (1/ 256) ، و"التقرير والتحبير" (1/ 330) ، و"بحوث في الفقه الإسلامي المقارن" (ص 145) ، و"النظام القضائي في الإسلام"، د. عبد العزيز محمد عزام، ص 103.