السبب في هذا إلى ما يعتري المرأة من الأمور الخاصة بالنساء، وهي في غالب الظن مما يؤثر على الملكة العقليَّة؛ كالحمل، والولادة، وما يصاحبها من آلام ومشقَّة وحمل هموم الصغار، والحيض، وما يغلب عليها منَ العاطفة وشدتها، مما يمكن أن يشوش على العقل؛ حتى ولو كان حاد الذكاء، شديد الفطنة، فيؤثِّر هذا على كمال قدراتها العقلية، حين الالتجاء إلى الملكة العقليَّة في حل المستعصي منَ المشكلات، والعويص منَ القضايا [1] .
أدلة المذهب الرابع:
وهو قول من يرى جواز توليتها القضاء مطلقًا، وأدلتهم في ذلك الأثر والمعنى.
أما الأثر: فما روي عن عمر بن الخطاب ا: أنه ولى الشَّفَّاءَ (ممدود، وهو لقب أو اسم لأم سليمان امرأة من قومه) السوقَ، وكانت الشَّفَّاءُ جدة أبي بكر بن سليمان.
ولا بد لوالي السوق من الحكم بين الناس، ولو في صغار الأمور، فتكون ولاية الحسبة شاملة للقضاء في آن واحد كما ذكرنا؛ لأن السوق لا يخلو من المنازعات غالبًا.
وأما المعنى فمن عدة وجوه:
الأول: أن المرأة يجوز لها شرعًا أن ترعى بعض الأمور سوى الإمارة العامة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «المرأة راعية على مال زوجها وهي مسئولة عن رعيتها» [2] .
وفي هذا نوع من الولاية، فإذا جاز لها مثل هذه الولاية جاز لها القضاء.
وقد أجاز المالكيون كغيرهم أن تكون وصية ووكيلة، ولم يأت نص من منعها أن تلي بعض الأمور.
الثاني: الأصل أن كل مَن تكون عنده مقدرة على الفصل بين الناس، يكون حكمُه جائرًا، وهذا الأصل عام تدخل فيه جميع الولايات، وقد خُصص هذا العامُّ بإجماع العلماء، فأجمعوا على منع المرأة من ولاية رئاسة الدولة؛ استنادًا إلى حديث: «لن يفلح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأةً» المفيد لهذا الحكم، فيستثنى من الأصل العام، ويبقى ما عداه على حكم الأصل، فنصل إلى أنه يجوز للمرأة أن تتولى القضاء، ولا تعتبر أنوثتها مانعًا؛ لأنها لا تؤثر في فهمها للحجج، وفصلها في الخصومات [3] .
(1) ينظر:"النظام القضائي في الفقه الإسلامي"د/ محمد رأفت عثمان ص 141 ـ ط دار البيان، القاهرة.
(2) أخرجه البخاري في النكاح، باب:"المرأة راعية في بيت زوجها"،"فتح الباري"9/ 299، برقم 5200.،
(3) ينظر:"النظام القضائي"، د. محمد رأفت عثمان، ص 144.