فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 33

وقد نُوقِشَ ذلك بما يلي:

أولًا: من الناحية التاريخية: وهي أن هذا النَّقل عن ابن جرير، لم ينسب إلى كتاب مِن كُتُبه.

نوقش: بأن كتب ابن جرير كثيرةٌ جدًّا، وفيها الموسوعي الضخم؛ بحيث لو نسب القول إليه، لكانت هذه النسبة كعدمها؛ لصعوبة استيعاب مثل هذه الكتب بكاملها، وقد يكون القول قد وقع في غير مظانه؛ بسبب ورود مناسبة تقتضي ذكر مثل هذا القول، كما أنَّه منَ الجائز أن يكونَ هذا القول مذكورًا في أحد كتب ابن جرير التي لم تصلنا، وضاع هذا الكتاب مع ما ضاع من التُّراث الإسلامي في العصور السابقة بفعل عوامل متعددة؛ خاصة إذا علمنا أن الإمام الطبري قد اختار له مذهبًا فقهيًّا مستَقِلًا، وعَلَّل له، ودَلَّل عليه، وجعله في كتابٍ سماه:"أحكام شرائع الإسلام"، ذَكَرَه السيوطي، وهذا الكتاب غير موجود الآن، وغالب الظن أنه فُقِد، وبهذا تكون هناك قضايا وأحكام كثيرة، لا يمكن معرفة رأي ابن جرير فيها [1] .

ثم إن كثيرًا من أقوال العلماء التي نُقلت إلينا في كتب الخلاف بهذه الصورة، ولم يشترط العلماء التحقق من صحة هذا النقل ما دام الناقل له ثقة، وقد نقله جازمًا به، وناهيك بمن نقلوا قول ابن جرير في الثقة والضبط، ويبعد جدًّا أن يذكروا هذا عنه وهم يعلمون عدم صحة نسبته إليه دون التنبيه على ذلك، ومعلوم في قواعد النقل أن المثبت مقدم على النافي إذا كان المثبت ثقة.

ولو رددنا كل نقل لهذه العلة لاعتبرنا كثيرًا من النقول في عداد العدم، مع أن الواقع الذي عليه العلماء بخلاف ذلك، فإنهم يقبلون المسائل الكثيرة التي نقلت إليهم بالواسطة دون البحث في سندها، مادام نقلها قد حصل بطريق الجزم وكان الناقل ثقة.

ومعلوم أن كثيرًا من كتب الفقهاء فقدت قبل أن تصل إلينا، وقد دونوا فيها كثيرًا من آرائهم، والنقلة عنهم حفظوا هذه الأقوال ونقلوها كما علموها عنهم.

ويكفي هنا أنَّ العلماء الذين نقلوا رأي ابن جرير هم مِن أكابر أهل العلم، وأئمة الفقه؛ كالماوردي، وابن رشد، والحافظ ابن حجر العسقلاني، وخاصة أنهم لم ينقلوا هذا الرأي بصيغة التمريض، كأن يأتوا به بلفظ يدل على ضعفه مثل: رُويَ، ونُقل - بالبناء للمجهول - إنما جاؤوا به بصيغة الجَزْم، والتأكيد، وليس هذا شأنهم في نقل الآراء التي تكون موضع الشك، حتى ولو فرضنا أن ابن جرير الطبري لم تكن له كُتُب مُؤَلَّفة، ولن يرد بحجة أنه ليس موجودًا في أحد كتبه؛ كالشأن في معظم المسائل التي تحكى عنِ العلماء، ومما يقوي هذا القول: أنَّ أحدًا من العلماء لم

(1) ينظر:"طبقات المفسرين"ص 82 في ترجمة ابن جرير الطبري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت