ورجل فكيِّر: كثير الفكرة، قال بعض الأدباء: مقلوب عن الفرك لكن يستعمل الفكر في المعاني؛ وهو فرك الأمور وبحثها طلبًا للوصول إلى حقيقتها) (5) .
*معاني للفكر والتفكر:-
التذكر، والنظر، والاعتبار، والتدبر، والاستبصار ... إلى غيرها من المعاني المتقاربة. وعندما أورد الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - هذه المرادفات للتفكر عقَّب على ذلك بقوله: «وهذه معان متقاربة تجتمع في شيء وتتفرق في آخر، ويُسمَّى تفكرًا؛ لأنه استعمال الفكر في ذلك وإحضاره عنده، ويُسمَّى تذكرًا؛ لأنه إحضار للعلم الذي يجب مراعاته بعد ذهوله وغيبته عنه، ومنه قوله _تعالى_:"إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ" (الأعراف:201) .
ويُسمَّى نظرًا؛ لأنه التفات بالقلب إلى المنظور فيه، ويُسمَّى تأمّلًا؛ لأنه مراجعة للنظر كرّة بعد كرّة حتى يتجلّى له وينكشف لقلبه، ويُسمَّى اعتبارًا وهو افتعال من العبور؛ لأنه يعبر منه إلى غيره فيعبر من ذلك الذي قد فكّر فيه إلى معرفة ثالثة وهي المقصود من الاعتبار، ولهذا يسمى عبرة. وهي على بناء الحالات - كالجلسة والقتلة - إيذانًا بأن هذا العلم والمعرفة قد صار حالًا لصاحبه يعبر منه إلى المقصود منه، وقال الله _تعالى_:"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى" (النازعات:26) ، وقال:"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ" (آل عمران: من الآية13) .
ويُسمَّى تدبرًا؛ لأنه نظر في أدبار الأمور - وهي أواخرها وعواقبها - ومنه تدبّر القول، وقال _تعالى_:"أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ"؟ (المؤمنون: من الآية68) ؟"أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا" (النساء:82) ، وتدبّر الكلام أن ينظر في أوله وآخره، ثم يعيد نظره مرة بعد مرة، ولهذا جاء على بناء التفعّل كالتجرّع والتفهّم والتبيّن.
وسمّي استبصارًا وهو استفعال من التبصّر؛ وهو تبيّن الأمر وانكشافه وتجلّيه للبصيرة. وكلٌّ من التذكّر والتفكّر له فائدة غير فائدة الآخر؛ فالتذكّر يفيد تكرار القلب على ما علمه وعرفه ليرسخ فيه وليثبت ولا ينمحي فيذهب أثره من القلب جملةً،والتفكّر يفيد تكثير العلم واستجلاب ما ليس حاصلًا عند القلب.